فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 506

شعرت أنّ رئيسي هنا هو ابن جلدتي، الذي يغار عليّ كما أغار على نفسي، وأنّ الجند الذي يحيط بي، ويحفظ الأمنة عليّ وعلى غيري هم ممن أجتمع وإيّاهم في أرومة واحدة، وممن أرمي وإياهم إلى هدف واحد، فلا تثقل علي سلطتهم، ولا يتكاءدني (1) الخضوع لنظامهم، لأني أرى فيه نظام أمتي، وانتظام شملي.

وليس هنا ذلك الرئيس الغاشم، الثقيل الوطأة، السيء النية، المتكبّر المتجبّر المتغطرس، الغريب عني، الذي لست منه ولا هو مني، الآتي إلى بلادي ليتحكّم في أمورها، ويستغلّ خيراتها، ويضرب على سكانها الذّل والمسكنة، لأنّه لا يقدر أن يعتز إلا بذلهم، ولا أن يثري إلا بفقرهم، ولا أن يقوى إلى بضعفهم، ولا أن ينصّع وجهه إلا بفقر دمهم، وسيأتي يوم نقول فيه: ولا يحيا إلا بموتهم.

لم أكن هنا في البلاد التي مع أنّها وطني ووطن آبائي وأجدادي، ووطن قومي وأمتي، وجني سواعدهم، وثمرة دمائهم، التي سالت فيها أنهارا، لا يؤذن لي أن ألقي عليها نظرة بعد غربة متطاولة، ونبوة متمادية، ولا أن أدوس على ترابها بقدم خفيفة، ولو ساعة من الزّمن، وذلك لأنّ غريبا غلب عليها، فقبض على أعنّتها، وتصرّف بها كيف شاء، يدخل من يشاء، ويخرج من يشاء، فأصبح هو صاحب البيت، وأصبح أصحاب البيت هم الغرباء ...

شعرت في الحجاز أنّي تظلّني راية عربية محضة حقيقية، لا راية مشوبة بشعار أجنبي، ولا راية ليس يسير من تحتها جند عربي، إلا ما كان من قبيل مرتزقة أو مستأجرين تحت قيادة من لا يرقب في هذه الأمة إلّا ولا ذمّة، وإنما ينظرون إليها كطعام للأمم، التي تدّعي عليها الوصاية، وكمتمم لأسباب رفاهيتها أو نعيمها.

(1) [يشق عليه] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت