فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 506

لكنّه إن شاء الله حشر للثواب، مبشّر بالرحمة والمغفرة يوم الحشر للحساب.

زعم المحققون من الأشياخ المجاورين أنّهم لم يعاينوا قط في عرفات جمعا أحفل منه، ولا أرى كان من عهد الرشيد ـ الذي هو آخر من حجّ من الخلفاء ـ جمع في الإسلام مثله، جعله الله جمعا مرحوما معصوما بعزته.

فلمّا جمع بين الظهر والعصر يوم الجمعة المذكور، وقف النّاس خاشعين باكين، وإلى الله عزوجل في الرحمة متضرّعين، والتكبير قد علا، وضجيج الناس بالدعاء قد ارتفع، فما رؤي يوم أكثر مدامع، ولا قلوبا خواشع، ولا أعناقا لهيبة لله خوانع خواضع ـ من ذلك اليوم.

فما زال النّاس على تلك الحالة، والشمس تلفح وجوههم إلى أن سقط قرصها، وتمكّن وقت المغرب، وقد وصل أمير الحاجّ مع جملة من جنده الدارعين، ووقفوا بمقربة من الصخرات (1) عند المسجد الصغير، وأخذ السّرو اليمانيون مواقفهم بمنازلهم المعلومة لهم في جبال عرفات، المتوارثة عن جد فجد من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لا تتعدّى قبيلة على منزل أخرى.

وكان المجتمع منهم في هذا العام عددا لم يجتمع قطّ مثله، وكذلك وصل الأمير العراقي في جمع لم يصل قط مثله، ووصل معه من أمراء الأعاجم الخراسانيين، ومن النساء العقائل المعروفات بالخواتين، ومن السيدات بنات الأمراء كثير، ومن سائر العجم عدد لا يحصى، فوقف

(1) هذه الصخرات التي يتكّرر ذكرها معروفة، وهي التي وقف النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم عندها في حجّة الوداع، ولكنه قال: «وقفت هاهنا وعرفة كلّها موقف» رواه مسلم [رقم (1218 ـ 149) من حديث جابر رضي الله عنه] يعني أنّ وقوفه هنالك إتفاقيّ، لا لفضيلة في المكان، لئلا يتهافت النّاس بعده عليه، ولكنهم يفعلون ذلك ما استطاعوا. مصححه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت