فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 381

سحاب رحمات صبت، والجميع يرغبون المغفرة من الغفار ويرجون الستر والعفو من العفو الستار. والتقتّ إليّ سيدنا الشيخ مربيه ربه في هذا الموقف، وقد خنقته العبرات، وترادفت عليه من الخشية الزفرات، وقال لي: يروى أن رجلا وقف بعرفات، فقال الحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها من نعمة، فلما كان العام القابل، وقف بعرفات أيضا وقال الكلمات، فناداه هاتف، على رسلك، فمن عام أول ونحن نكتب لك ثواب قولها، وما فرغنا منه، فقلتها بحمد الله في ذلك الموقف، جزاه الله عنا أحسن جزائه. فلما دنت الشمس للغروب، انشقت السحائب، وغربت الشمس نقية، فلبثنا هنيئة بعد الغروب، فنفرنا بفيضين، وانصرفنا بين المازمين آمين المصلى بمزدلفة، فوصلناها بعد مغيب الشفق، فجمعنا بها بين العشائين وتفرق وفدنا لكثرة الاختلاط والازدحام، وبتنا هناك حتى أسفر الفجر على وجه القرض، وأدينا من صلاة الصبح الحق المفترض، وقفنا عند المشعر الحرام إلى الإسفار منكبين على الدعاء وحميد الأذكار والاستغفار، فافضنا حتى وصلنا بطن محسّر، وهو وادي النار أسرعنا والإسراع فيه مشروع ذهابا وإيابا، فمضينا كما نحن على الطريق إلى أن وصلنا جمرة العقبة وقت الشروق، فرمينا بها سبع حصيات من أسفلها مكبرين مع كل حصاة، ثم رجعنا لرحالنا، فذبحنا الهدايا، وقد كنا أوقفناها بعرفات، ثم حلقنا، وسرنا من ساعتنا لمكة المشرفة، ولم نزل لابسين ثياب الإحرام لا ستحبابها، وإن كان التحلل الأصغر يقع بعد رمي جمرة العقبة، فوصلنا مكة لما ارتفع النهار، فطفنا طواف الإفاضة، ثم سعينا بين الصفا والمروة، ثم حلقنا فنزعنا لباس الإحرام، فأحللنا التحلل الأكبر، ثم رجعنا إلى منى فصلينا بها الظهر يوم النحر، وهو يوم الثلاثاء، في مسجد الخيف، وهو الذي نزلت عليه صلى الله عليه وسلم فيه سورة «والمرسلات» ، كما حدثنا بذلك بعض علماء البلد، ثم رجعنا للقباب المعدّة لنا هناك، فأصابني يومئذ مرض شديد بقية اليوم وبتّ كذلك وأصبحت إلى وقت الظهر، مع أني في كثير من لطف الله أحمده عليه، فلما زالت الشمس رجوت من فضله تعالى أن لا يعجزني عن بقية مناسكي، فمن فضله تعالى حسست بالراحة، فتوضّأت، ووقفت بمشقة، واستندت على سيدي بوي بن الشيخ حسنّ، بل كأنه يحملني أولا، وكلما خطوت بحمد الله يخف مرضي، فما وصلت الجمار، حتى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت