فهرس الكتاب
الأوصاف، قد مدحت أطيارها، ونفحت بالنسائم أزهارها، وبها الخيام منصوبة ومرفوعة، والخيرات لا مقطوعة ولا ممنوعة، مع وقوف أشائرها على الأقدام، يستدل بضوئها في الليل من له على القدوم إقدام، كأنها في جنح الليل نجم الثريا إذا اقترنت بالنثرة، أو الأكليل إذا قارن الزهرة، وبها سوق يساق إليه بدائع البضائع، التي يحتاج إليها المسافر في أكثر الوقائع، ما قصد نحوه قاصد، إلا وعاد منه موصولا بالصلة والعائد، وكان هذا النعيم المقيم مسامرنا ومسائرنا في الذهاب والإياب، إلى أن رجعنا إلى بركة الحاج ثانيا ولاقينا الأحباب، قال الشاعر:
في بركة الحج ترى ... نخلا زها لكن عجب ...
زبر جدا يحكي وما ... ثماره إلا ذهب ...
فيها نسيم رائق ... بلطفه يشفي الوصف ...
والطير فوق مائها ... يشدو بأنواع الطرب ...
فيا لها من بركة ... تبلغ القلب الأرب ...
عوذتها من طارق ... وغاسق إذا وقب
وبعد ما كملت الركائب، واجتمع بعد التفريق نجائد النجائب، وانقضى مقام المقيل، ونودي في ذلك المكان الرحب بالرحيل، وحمل المحمل الشريف، وفارق المربع والظل الوريف، وسار الركب سير السيل، وتسابقت العيس لجهات الخير كأنها الخيل، حتى وصل إلى قرب البويب المعروف بالتصغير، وفي الحقيقة هو باب الدرب ومفتاح المسير، فاجتمع شمل الركب في ذلك المكان، ورجع المودع في خبر كان، فاستراح الناس والبهائم، واستيقظ بسهر الليل كل نائم، ثم أطعمت الجمال العلائق، وقطع الحجاج من تلك المحطة العلائق، ومدة المسير في تلك المرحلة، ثلاث ساعات مكملة، ثم نادى منادي الرحيل، فسار الركب إلى أن أصبح مقاربا للبئر الطويل، وهو المكان المعروف بالمصانع، ومطلب راحة الناس في الإقامة لو لا