فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 334

وأما إذا فعله نادرا أو لحاجة: لم يضره.

ولا يعترض بالعوائد على هذا: فإن العوائد طبائع ثوان، ولها أحكام أخرى، وهى بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء.

(فصل) وفى صحيح مسلم ـ من حديث أنس بن مالك ـ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا، ويقول: إنه أروى وأمرأ وأبرأ» . (1)

(الشراب) في لسان الشارع وحملة الشرع ـ هو: الماء. ومعنى تنفسه في الشراب: إبانة القدح عن فيه وتنفسه خارجه، ثم يعود إلى الشراب. كما جاء مصرحا به في الحديث الاخر: «إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في القدح، ولكن: ليبن الاناء عن فيه» .

وفى هذا الشرب حكم جمة، وفوائد مهمة، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على مجامعها، بقوله: «إنه أروى وأمرأ وأبرأ» . فأروى: أشد ريا وأبلغه وأنفعه. وأبرأ: أفعل من البرء ـ وهو الشفاء ـ أي: يبرئ من شدة العطش ودائه، لتردده على المعدة المتلهبة دفعات، فتسكن الدفعة الثانية ما عجزت الأولى عن تسكينه، والثالثة ما عجزت الثانية عنه. وأيضا: فإنه أسلم لحرارة المعدة، وأبقى عليها من أن يهجم عليها البارد وهلة واحدة، ونهلة واحدة.

وأيضا: فإنه لا يروى لمصادفته لحرارة العطش لحظة، ثم يقلع عنها ولما تكسر سورتها وحدتها. وإن انكسرت لم تبطل بالكلية، بخلاف كسرها على التمهل والتدريج.

وأيضا: فإنه أسلم عاقبة وآمن غائلة من تناول جميع ما يروى دفعة واحدة. فإنه يخاف منه أن يطفئ الحرارة الغريزية ـ بشدة برده، وكثرة كميته ـ أو يضعفها: فيؤدى ذلك إلى فساد مزاج المعدة والكبد، وإلى أمراض رديئة خصوصا في سكان البلاد الحارة: كالحجاز واليمن ونحوهما: أو في الأزمنة الحارة: كشدة الصيف. فإن الشرب وهلة واحدة مخوف عليهم جدا: فإن الحار الغريزي ضعيف في بواطن أهلها، وفى تلك الأزمنة الحارة.

وقوله: «وأمرأ» هو أفعل من «مرئ الطعام والشراب في بدنه» : إذا دخله وخالطه

(1) وأخرجه البخاري بدون زيادة: «ويقول» : إنه أروى «إلخ. وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد بها. اه‍ق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت