فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 408

ويحتمل وجها رابعا: وهو أن هذا الفعل لما خولف به عن طريق أخواته من الأفعال جعل لفظه مخالفا لحكم ما ينفيه؛ ليدل بهذا الخلاف في اللفظ على أنه قد ألزم وجها واحدا، ولو استعملوا من (ليس) المضارع لم يكن في المستعمل على خروجه من الأصل وجاز أن يشك في استعمال لفظ الماضي، فعدل به إلى جهة ترفع الشك من هنا.

فإن قال قائل: فلم لزمت بعض هذه الأفعال (ما) نحو: ما زال، وما انفك، وما برح، وما فتئ، وما دام، وهل ل (ما) فيها حكم واحد؟

فالجواب في ذلك أن (ما) في دام وحدها مخالفة ل (ما) في باقي الأفعال، وذلك أن (ما) في ما زال تبقى من سائر الأفعال للنفي وهي في (مادام) لغير النفي (1) وإن (ما) مع ذلك بمنزلة المصدر والنائب عن الفعل، والدليل على ذلك أنه لا يصح الابتداء بها وإنما تستعمل متعلقة بفعل كقولك: إني أنتظرك ما دمت قائما، والمعنى: وقت دوام قيامك، فموضع الوقت نصب بانتظارك، فلما حذفت الوقت صار موضع (ما دام) نصبا لقيامه مقام الوقت كما تقول: انتظرك خفوق النجم، ولو كانت في مادام للنفي لوجب أن يبتدأ بها كما يبتدأ بأخواتها من الأفعال التي معها كقولك ما زال زيد قائما، وما انفك عمرو ذاهبا فبان بذلك اختلاف حكم ما ذكرناه.

وإنما لزمت هذه الأفعال (ما) سوى دام لأن فيها معنى النفي، وذلك أن قول القائل: زال زيد وبرح، أي: انتفى من هذه المواضع، وفتئ بمنزلة زال في المعنى، وانفك معناه: افترق، والافتراق / بمعنى الانتفاء لأنه زوال عن (2) حال الاجتماع،

(1) قال الخليل في حديثه عن (ما) في موضع الظرف:"قول الله تبارك وتعالى: (ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ*) أي: بقاء السموات والأرض. وموضعها النصب". انظر كتاب الجمل في النحو: 308.

(2) في الأصل: على، وقد أثبت ما يناسب الفعل من حروف الجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت