فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 405

نفسه وصفة غيره ثم يشبههما بشيء آخر كقول الشاعر:

صدغ الحبيب وحالي ... كلاهما كاللّيالي

وقد وقع تشبيه الشيئين بالشيء الواحد، وانما جاز ذلك لأنه لا يخلو الشيئان في تشبيه أحدهما بالآخر من ثلاثة أقسام: إما تشبيه معنى بمعنى، وإما تشبيه معنى بصورة، وإما تشبيه صورة بصورة، وكل واحد من هذه الأقسام الثلاثة لا يخلو من ثلاثة أقسام: إما تشبيه مفرد بمفرد .. وإما تشبيه مركب بمركب. وإما تشبيه مفرد بمركب. فأما تشبيه المفرد بالمفرد فكقول البحتري:

تبسم وقطوب في ندى ووغى ... كالغيث والبرق تحت العارض البرد

ومنه قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) الآية. وأما تشبيه المركب بالمركب فقوله تعالى: (إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ) الى قوله: (كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) الآية. فشبه حال الدنيا في سرعة زوالها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض وذلك تشبيه معنى بصورة وهو أبدع ما يجيء في هذا القسم. ومثله في حق المنافقين: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ. لا يُبْصِرُونَ) تقديره أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة بمفازة فاستضاء بها ما حوله، واتقى ما يخاف وأمن فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيرا، وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الايمان استنار بها واعتز بعزها وأمن على نفسه وماله وولده، فإذا مات عاد إلى الخوف وبقي في العذاب والنقمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت