فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 320

وكانوا بطانته، ولا يمنعهم من فسق يرتكبونه، وكان الناس منهم في بلاء عظيم، وازداد نهبهم لقرى بغداد.

ولم يستجب أمير بغداد لنداء أهلها بحمايتهم، وظلت الفوضى سائدة ببغداد لذلك لم يكن هناك بد من أن يعتمد أهل بغداد على أنفسهم في حماية ممتلكاتهم ونسائهم وأبنائهم: فقام صلحاء كل ربض وكل درب. وتدارسوا وسائل القضاء على المفسدين، ونهض نفر منهم يدعو الناس إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة رسوله، وتزعم هذه الحركة سهل بن سلامة الأنصارى الذى علق مصحفا في عنقه، واجتمع حوله الناس، وبايعوه على ما اعتزم عليه «وطاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها يتصدى للشطار، ويقاتل المفسدين (1) .

نخرج من ذلك إلى القول بأن الحياة في بغداد لم تكن كلها مجون ولهو كما يصور ذلك بعض الأدباء، بل كان اللهو والطرب جانبا من جوانب الحياة الإجتماعية، وعرف طريقه في قصور الخلفاء والأمراء وكبار رجال الدولة وفى بيوت تجار الرقيق والقيان وغير ذلك «وكره فريق من أهل بغداد هذا النوع من الحياة واستنكروه، وعكفوا على المساجد يقضون فيها أوقات فراغهم حيث يستمعون إلى الفقهاء ورجال العلم، ويستفيدون منهم، وفريق من الناس زهد في الدنيا والحياة المترفه التى نعم بها الكثير من البغداديين، ولا يغيب عن الأذهان أن طبقة رجال الدين والأدب كانت تأتى في المحل الأول من الأهمية والإعتبار قبل طبقة المغنيين والموسيقيين، ومن ثم نظر الناس إلى رجال الدين ونظرة الأدب تختلف كل الإختلاف عن نظرتهم إلى أهل اللهو والطرب، بل ترى بعض الفقهاء يتجنب الحديث مع الموسقيين والمغنيين، ويتحرج منهم، إسحاق الموصلى يكره أن يوصف بأنه مغنى.

وبهذه المناسبة نذكر أن بعض الكتاب قد أفرط في وصف حياة الرشيد كانت

(1) الطبرى: تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 201 ه‍.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت