فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 161

مواطن النظم يدعو إلى ترصد ناحية ذات أهمية خاصة اقتضها حكمة النظم القرآني، وهي تعدد الموضوعات في السورة الواحدة، ومع ذلك نجد السورة لا تفقد وحدتها الموضوعية. واستيفاء هذا الملحظ لا تستطيعه أية ترجمة، لأن هذه الطريقة قد انفرد بها القرآن الكريم ولا نظير لها في النصوص الأدبية الأخرى إذ تعتمد النصوص وحدة الموضوع عادة دون الدخول بتفصيلات مماثلة، بينما يحافظ القرآن على وحدة الموضوع ليربطه بموضوع آخر دون تصادم في الأفكار، أو تجاوز للتجانس الموضوعي، حتى في السور ذات الموضوعات المتعددة، إذ أنها تتحد في التخطيط ضمن إطار الأسلوب الواحد المتدرج في الانتقال إلى جزئيات أخرى، يحتل كل منها موقعه في نظام السورة مما يشكل تنوعا في المفردات، تتجمع في ظل هيئة تركيبية موحدة، وتصل في النهاية إلى ترتيب جديد في العرض والأسلوب والمعالجة، والترجمة على حذقها قد لا تحيط خبرا بهذه الملابسات التكوينية للسور، فتجيء مرتبكة مبعثرة لا يربطها خط رئيسي كما في النص القرآني.

يقول فخر الدين الرازي (ت: 606 ه‍) :

«اعلم أن عادة الله في ترتيب هذا الكتاب الكريم وقع على أحسن الوجوه، وهو أن يذكر شيئا من الأحكام ثم يذكر عقيبه آيات كثيرة في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب. ويخلط بها آيات دالة على كبرياء الله وجلال قدرته وعظمة إلهيته، ثم يعود مرة أخرى إلى بيان الأحكام، وهذا أحسن أنواع الترتيب وأقربها إلى التأثير في القلوب، لأن التكليف الشاق لا يقع في موقع القبول إلا عند القطع بغاية كمال من صدر عنه الوعد والوعيد، فظهر أن هذا الترتيب أحسن الترتيبات اللائقة إلى الدين الحق» (1) .

ان هذه الظاهرة الفريدة تدعونا بجدية إلى ملاحظة أن الترابط بين أوائل السور وأوساطها وأواخرها ذو رؤية مدركة في بيان حسن النظم

(1) الرازي، مفاتيح الغيب: 11/ 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت