فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 342

ضانّين أنّهم قادرون على أن يصبّوا الناس في قالب واحد يصنعونه هم لهم، وأن يجتمع الناس على رأي واحد، يمشون فيه وراءهم، وفق ما فهموه من النصوص الشرعية، وبذلك تنقرض المذاهب، ويرتفع الخلاف، ويلتقي الجميع على كلمة سواء.

ونسي هؤلاء أنّ فهمهم للنصوص ليس أكثر من رأي يحتمل الخطأ، كما يحتمل الصّواب، إذ لم تضمن العصمة لعالم فيما ذهب إليه، وإن جمع شروط الاجتهاد كلها، كلّ ما ضُمن له هو الأجر على اجتهاده أصاب أم أخطأ ...

ولا تحسبنّ أنّي أنكر عليهم دعوتهم إلى اتباع النصّوص، أو اجتهادهم في فهمها فهذا من حقّ كلّ مسلم استوفى شرائط الاجتهاد وأدواته، ولا يملك أحد أن يغلق بابًا فتحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأمّة، إنّما أنكر عليهم تطاولهم على مناهج علماء الأمّة، واحتقارهم للفقه الموروث، ودعاواهم العريضة في أنّهم وحدهم على الحقّ، وما عداهم على خطأ أو ضلال، وتوهّمهم أنّ باستطاعتهم إزالة الخلاف، وجمع الناس قاطبة على قول واحد، هو قولهم.

قال لي واحد من طلبة العلم المخلصين من تلاميذ هذه المدرسة مدرسة الرأي الواحد: ولِمَ لا يلتقي الجميع على الرأي الذي معه النصّ؟

قلت: لابدّ أن يكون النصّ صحيحًا مسلّمًا به عند الجميع، ولابدّ أن يكون صريح الدلالة على المعنى المراد، ولابدّ أن يسلم من معارض مثله أو أقوى منه من نصوص الشريعة الجزئية أو قواعدها الكلية، فقد يكون النصّ صحيحًا عند إمام، ضعيفًا عند غيره، وقد يصحّ عنده ولكن لا يسلم بدلالته على المراد، فقد يكون عند هذا عامًا وعند غيره خاصًّا، وقد يكون عند إمام مطلقًا، وعند آخر مقيّدًا، وقد يراه هذا دليلًا على الوجوب أو الحرمة، ويراه ذلك دالًّا على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت