فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 637

وهناك ظروف موضوعية أدت إلى نشأة علم النحو، وذلك بعد بروز المشكلة اللغوية وإلحاحها بفعل عاملين:

الأول: عامل اجتماعى، يتمثل في الاختلاط العميق الذى نشأ بين القبائل العربية وبين غير العرب ممن فتح الله بلادهم للمسلمين، هذا الاختلاط دعا إلى ضرورة اتخاذ لغة تعبر عنه وتقضى حاجاته، فبدأت لذلك تنشأ مشكلة لغوية ذات شقين: الشق الأول: تعدد اللغات وتعدد الألسنة لكثرة البلاد المفتوحة، والشق الثاني: اللحن الذى بدأ يتسرب إلى اللسان العربى (1) .

والعامل الثاني: ديني، ويتلخص في أن العرب أرادوا أن ينشروا الإسلام بين الشعوب المفتوحة، ومحور الإسلام القرآن، وهو نص عربى، ولا بد لكل مسلم ومسلمة أن يقرأ ولو شيئا يسيرا من القرآن وبصورة صحيحة، وهذا يدعو إلى أن يتعلم العجم ولو المبادئ الأساسية للّغة العربية التى بها يستطيعون قراءة القرآن قراءة صحيحة.

والحق أن كلا العاملين أحدثا أثرا مناقضا للآخر، فالعامل الاجتماعى يدعو إلى خلق لغة مشتركة للتفاهم بين العرب وبين أهل البلاد المفتوحة، على حين أن العامل الديني يؤثر المحافظة على اللغة العربية كما هى ـ دونما شائبة ـ حتى يتثنى قراءة القرآن الكريم قراءة سليمة، ومن هنا برزت المشكلة (2) .

وقد أدرك المسلمون المشكلة اللغوية، ولذلك فكروا في حل سريع لها، يضمن ترابط المجتمع ووحدته من ناحية، ومن ناحية أخرى يفرض على هذا المجتمع لغة القرآن (اللغة العربية) لغة رسمية.

ومن هنا، بدأ علم النحو في الظهور للقيام بالمهمة السابقة، وبدأ ذلك الظهور في شبه خطوات تمهيدية، كضبط النص القرآنى الذى قام به أبو الأسود الدؤلى كحل سريع للمشكلة اللغوية، وكانت هذه الخطوة خطوة تمهيدية لنشأة القواعد اللغوية.

ثم جاءت الخطوة الثانية وهى التصدى المباشر للمشكلة اللغوية فصنّف أبو الأسود الدؤلي ـ أيضا ـ الحركات إلى مضمومات ومفتوحات ومكسورات، منونة وغير

(1) ينظر قضايا ونصوص نحوية (دار الثقافة العربية) للدكتور على أبو المكارم ص 35.

(2) راجع السابق ص 36، 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت