فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 604

في مقدونيا، الأكثر تخلفا وانغلاقا في اليونان، لكنه تتلمذ على أيدي الفيلسوف الكبير، أرسطو، فشب مولعا بالحضارة اليونانية وتقاليدها وأعرافها. وكان مقتنعا بأن النمط الإغريقي (اليوناني) هو قمة التفوق البشري، ورأى رسالته العالمية في نشر هذا النمط الفكري ـ الاجتماعي، من خلال إمبراطورية كونية ـ أي الهلينة.

وكان الإسكندر في العشرين من العمر عندما اغتيل والده، فيليب، سنة 336 ق. م. وكان فيليب قد خطط مستقبل ابنه ووارثه قبل موته، كما كان قد قطع شوطا كبيرا في الإعداد للمعركة الحاسمة مع العدو القديم ـ فارس. وبعد فترة قصيرة من توضيب أوضاعه الداخلية، وضمان أمن حدوده الشمالية، بادر الإسكندر إلى حملته الأسطورية على الشرق القديم. وكانت فارس إمبراطورية مترامية الأطراف، غنية الموارد، وتمتلك جيشا كبيرا، كما في حيازتها أسطول بحري عظيم، بني وأدير بالتعاون مع الفينيقيين. وتضافرت للإسكندر عوامل ذاتية وموضوعية، جعلت منه أسطورة في التاريخ. فهناك الميّزات والمواهب الشخصية، والجيش المنظم ذو الروح القتالية العالية، ووضوح الهدف والثقة بالنفس، في مقابل حالة معاكسة تماما في الجانب الآخر. وخلال أربع سنوات (334 ـ 330 ق. م.) ، قضى الإسكندر على إمبراطورية الفرس، وصنع الأسطورة.

فبعد معركة غرانيكوس (334 ق. م.) ، سيطر الإسكندر على مدن آسيا الصغرى الساحلية. وفي النصر الذي حققه في معركة إيسوس (333 ق. م.) فتحت أمامه بلاد الشام، فأوكل احتلال دمشق إلى قائد جيشه، بارمينون. وباحتلاله الساحل الفينيقي، فصل الأسطول الفارسي عن قواعده، فعطله. وقاومت صور، فحاصرها وأخضعها ودمرها. وكذلك فعلت الحامية الفارسية في غزة، فكان مصيرها مصير صور. وفي سنة 331 ق. م.، سحق الجيش الفارسي، بقيادة داريوس الثالث، في أربيل (شمال العراق) ، وراح يطارد فلول الشاهنشاه. وبينما هو يضيق الخناق على داريوس، اغتال هذا الأخير أتباعه، وورث الإسكندر ملكه وأرضه، ثمّ أوغل شرقا إلى نهر السند، حيث بدأ جنوده يتذمرون، فعاد عن طريق جنوب فارس إلى العراق، حيث سقط مريضا ومات (323 ق. م.) .

ومنذ بداية حملته، أعطى الإسكندر المدن اليونانية في آسيا الصغرى حكما ذاتيا. وفي مسار الحملة تصرف وكأنه على رأس دولة مقدونية ـ يونانية متنقلة، بكل طقوسها وتقاليدها. وأقام الكثير من المدن اليونانية، بسكانها ومؤسساتها، كما جعل بعضها حاميات حدودية، وخصوصا في الجزء الشرقي من الأراضي التي فتحها. وتبرز بين هذه المدن الإسكندرية بازدهارها وعظمتها. لكن الإسكندر بعد مقتل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت