فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 604

والتجارية. فخلفاء الإسكندر بادروا منذ البداية إلى مصادرة الإقطاعات الكبيرة من أصحابها، وضمها إلى أملاك الملك، الذي احتفظ لنفسه بمساحات واسعة منها، وأقطع المقربين إليه أجزاء منها. وهذه الأراضي تم تأجيرها للفلاحين لقاء أجر سنوي، نقدا أو عينا. وحظر عليهم تركها قبل انتهاء الموسم، كما منعوا من تسويق محاصيلهم قبل أن تتاح الفرصة لعمال الملك لطرح حصته في السوق. وبسبب فقرهم، تحوّل قطاع واسع من الفلاحين إلى عبيد، فارتبطوا بالأرض، وكذلك أبناؤهم مدى الحياة.

واحتكرت الدولة الصناعة والتجارة إلى حد كبير. فما لم يكن في يدها مباشرة، أو مداورة، فرضت عليه ضرائب عالية، وضبطت الأسواق وحركة البيع والأسعار. وإضافة إلى أن أراضي الإمبراطورية الشاسعة شكلت سوقا تجارية هائلة، فقد اهتم الملوك اليونان بتحسين الطرق والموانئ، وبنوا القنوات للنقل النهري، كما بحثوا عن أسواق بعيدة، واكتشفوا طرقا جديدة، وبذلوا جهدا في تأمين الطرق وحراسة السواحل. وعلاوة على ذلك، وحّدوا النقد الذهبي والفضي، وأقاموا المصارف لتسهيل التعامل. وإلى ميناء الإسكندرية على سبيل المثال، جاءت التوابل من الجزيرة العربية والهند والنحاس من قبرص والذهب من إثيوبيا والهند والتنك من بريطانيا والفيلة والعاج من نوبيا والفضة من شمال بحر إيجة وإسبانيا والسجاد من آسيا الصغرى، وحتى الحرير من الصين. وكانت أرباح الدولة تصل إلى حدود 30% من سعر البضائع.

ومن النتائج البارزة لهذا النمط الاجتماعي ـ الاقتصادي نمو المدن الكبرى المتعددة. ففضلا عن الاستيطان اليوناني الكثيف، كانت هناك حركة سكانية من الريف إلى المدن التي أصبحت مراكز صناعية وتجارية، إضافة إلى كونها مراكز إدارية. ومن عناصر الجذب إلى المدن كان نمط الحياة الإغريقي في المدن الهلينية (بولس) ، وما يوفره من أجواء ثقافية وحضارية. وبرزت أنطاكيا، عاصمة السلوقيين، التي تضاعف عدد سكانها أربع مرات خلال قرن واحد. وقبلها نمت سلوقية (على نهر دجلة) إلى مدينة كبرى من نقطة الصفر. ولكن المدينة الأكبر والأكثر شهرة كانت الإسكندرية، التي يقدر بعضهم سكانها بنحو المليون نسمة. وقد شاع صيت مكتبتها التي يذكر أنها احتوت 000، 750 مجلد. وكما الحال في سورية والأردن، كذلك في فلسطين، إذ أقيمت مدن يونانية، منها: عكا وجبع ودورا ويافا ويبنى وأسدود وعسقلان وغزة ورفح والسامرة وصفورية وبيسان وغيرها.

لكن الازدهار الهليني كان من نصيب القلة فقط ـ الأمراء والموظفين وملاكي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت