فهرس الكتاب

الصفحة 131 من 604

ولأنه من أصل أدومي، ولم يكن مؤهلا لتولي الكهانة الكبرى، فقد جرّد المنصب من الصلاحيات جميعها المدنية والسياسية، وحصرها في المسائل الدينية، واستبعد منها العائلات التي كانت لها صلات بالحشمونيين، واستبدلها بأخرى مغمورة وموالية له، وأوقف نهج تعيين الكاهن الأكبر مدى الحياة.

وقد بنى هيرودوس جيشا نظاميا كبيرا على النسق اليوناني، عماده المرتزقة، الذين ارتبطوا به شخصيا، وشكلوا ثقلا موازيا للعنصر اليهودي فيه، لأن هيرودوس الأدومي لم يأمن جانب اليهود في الجيش. وبعد تسريح هؤلاء المرتزقة، وطّنهم في المدن الهلنستية، واستعملهم في مهمات مدنية. كما قسم البلاد إلى ألوية (طوبارخيات) ، لكل منها مركز إداري، على رأسه مسؤول هو الطوبارخوس، وهي في يهودا: أورشليم وجفنا وعقربا وتمنا واللد وعمواس وبيت نطوفا وأدوم وعين جدي وهيروديون وأريحا. وفي الجليل خمسة ألوية، هي: أربيل ومجدل وصفورية وعرب والجليل الأعلى. وفي شرق الأردن ثلاثة ألوية، هي: بيت هرمتا وآبل وجادير (جدرا) . وعلى كل من هذه المقاطعات حاكم (استراتيجوس) ، تميز بينهم حاكم أورشليم. وترك المدن الهلنستية في مناطق حكمه تتمتع بالإدارة الذاتية، وكانت له فيها مصالح اقتصادية واسعة.

ووردت على خزينة هيرودوس مداخيل كبيرة، سواء من أملاكه ومرافقه الخاصة، أو من الضرائب وموارد الدولة. وإذ ظلت الزراعة الركيزة الاقتصادية الرئيسية في مملكته، فقد ازدهرت فيها التجارة والصناعة. وملك هيرودوس عقارات واسعة، ورثها من عائلته في أدوم، وضم إليها المصادرات الكثيرة من الخصوم السياسيين الذين صفاهم، وعلى رأسهم الحشمونيون وأنصارهم. وجبى هيرودوس ضرائب دائمة على «الرأس» ، وعلى الأرض، وأخرى موسمية مثل «ضريبة التاج» . كما فرض المكوس على السلع التجارية، وضريبة على استعمال الطرق والجسور والموانئ، وعلى البيع والشراء، كما على البيوت. وعلى العموم، فإن هيرودوس سار على النهج اليوناني، ولم يتورع عن أية وسيلة تزيد في مداخيله الضخمة، فكان العبء المالي على رعاياه كبيرا، وكثيرا ما سبب حالة من التذمر، لكن هيرودوس استطاع معالجتها بوسائل متعددة ـ الترهيب طورا والترغيب حينا.

وبهذا الثراء أتاح هيرودوس لنفسه الإقلاع في حركة بناء ناشطة. فأقام بلاطا فخما في أورشليم، وعددا من الحصون إضافة إلى القلعة (أنطونيا) ، على اسم ماركوس أنطونيوس ومسرحا ومدرجا. وأعاد بناء الهيكل بصورة فخمة، لم يسبق لها مثيل. وفضلا عن عدد من الحصون والمنتجعات ـ الهيروديون وفصائيل وأنتيباترس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت