فهرس الكتاب
القيصر، جاءت وفود تطالب بخلع هذه العائلة من الملك، ووضع يهودا مباشرة تحت الحكم الروماني. وتلكأ أكتافيوس (أغسطس) عن إصدار القرار، وانفجرت الاضطرابات في جميع أنحاء مملكة هيرودوس. فقمعها والي سورية الروماني، فاروس، بمساعدة الأنباط. وأخيرا أقرّ القيصر وصية هيرودوس بصورة عامة، ولكن مع تعديلات ذات دلالة، أبرزها تقسيم المملكة الموحدة إلى ثلاث ولايات منفصلة، وسلخ مناطق مهمة عنها، وخصوصا على الساحل، وضمها مباشرة إلى مسؤولية الوالي الروماني في سورية.
وخلال الأربعين عاما اللاحقة لموت هيرودوس، تهاوت الولايات الثلاث، الواحدة تلو الأخرى. وكان أولها ولاية أرخيلاوس في أورشليم، الذي عرف بقساوة والده من دون كفاءته. فاحتج الناس على ظلمه، وطلبوا إبعاده، فقبل القيصر، ونفاه إلى غاليا (في فرنسا) ، وعيّن مكانه حاكما رومانيا سنة 6 م. وبقيت ولاية فيلبّس إلى سنة 34 م، وبعد موته ألحقت بسورية. أمّا ولاية أنتيباس، فبقيت في يده حتى سنة 39 م، عندما أجلي هو الآخر إلى غاليا، وألحقت ولايته بسورية أيضا. وفي أيام أنتيباس وقعت اضطرابات كثيرة، في خضمها ظهرت المسيحية، وفي سياقها أعدم يوحنا المعمدان، ولاحقا صلب المسيح بحسب الرواية المسيحية. وبذلك انتقلت مملكة هيرودوس كلها إلى الحكم الروماني المباشر.
ب) ظهور المسيحية
شهدت فلسطين بعد موت هيرودوس حدثا تاريخيا مهما، كان من شأنه أن يؤدّي دورا مركزيا في الحضارة العالمية لاحقا، وهو ظهور الديانة المسيحية، بشخص مؤسسها يسوع المسيح. ومن بداية متواضعة في مطلع القرن الأول الميلادي، جعل أتباع المسيح عقيدتهم الديانة الرسمية للإمبراطورية البيزنطية في بداية القرن الرابع الميلادي. ومن جماعة مطاردة، متهمة بالخروج على الديانتين ـ اليهودية والرومانية ـ صار في عداد المسيحيين الإمبراطور البيزنطي نفسه، قسطنطين الأول، (306 ـ 337 م) . وعلى الرغم من الاضطهاد الذي لقيه أتباع المسيح، فقد ثابروا على نشر رسالته، جيلا بعد جيل، وتوسعت دائرة تأثيرهم في النواحي جميعها، إلى أن حققوا النصر بعد ثلاثة قرون. وكان من نتائج ذلك اعتبار فلسطين «الأرض المقدسة» ، وهي الكنية التي لا تزال تعرف بها حتى يومنا هذا.
ولقد تواكب ظهور يسوع المسيح مع فترة من التناقض الحاد بين يهود فلسطين وروما، بعد فترة من الوئام، قام فيها هيرودوس بالدور الرئيسي. ففي روما، حكم