فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 604

ج) حكم الولاة الرومان

بعد عزل أرخيلاوس ابن هيرودوس (6 م) ، أصبحت فلسطين مقاطعة رومانية، جزءا من ولاية سورية، التي لم تكن ولاية عادية. فحاكمها كان المسؤول الأول في الشرق، نظرا إلى أهميتها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وزاد في أهمية حاكمها أنه قاد المواجهة المستمرة مع الفرثيين. وحاكم المقاطعة (فلسطين) ، الذي كان يعيّنه الإمبراطور، ويحمل لقب «بروكيوراتور» ، كان يدير شؤون البلاد الأمنية والقضائية والمالية، ويستند إلى حاكم سورية في الدعم العسكري عند الحاجة. أمّا الشؤون الدينية لليهود فقد أودعت في يد الكاهن الأكبر، ومعه مجلس من الحاخامات ـ سنهدرين. وفي المدن الأخرى ما عدا أورشليم، لم تكن هناك مشكلة، إذ كانت تتمتع بحكم ذاتي يتولى المسائل المدنية، وخصوصا أن أغلبية سكانها كانت من غير اليهود، أو من اليهود ذوي النزعة للاندماج في الثقافة اليونانية ـ الرومانية.

ويبدو أن الحكام الأولين في فلسطين رأوا دورهم الرئيسي إداريا ـ اقتصاديا، ولم يحتفظوا بقوات عسكرية رومانية نظامية (لجيون) ، واكتفوا بتشكيل نوع من «الميليشيا» (أوكسيليا) . وتفيد المصادر أنهم لم يتدخلوا في شؤون اليهود الدينية، ولم يحاولوا إجبارهم على إقامة الطقوس الرومانية السارية في جميع أنحاء الإمبراطورية. وفي أيام جايوس كاليغولا (37 ـ 41 م) ، الذي آمن بألوهيته، طلب من رعاياه جميعهم تكريما إلهيا. وعندما أقام سكان يبنى مذبحا للقيصر، هدمه اليهود من سكان المدينة، فأمر القيصر بإقامة تمثال له في هيكل أورشليم. وتوتر الوضع، وبتدخل من حاكم سورية، بترونيوس، تمّ تلافي سفك الدماء. وبعد موت القيصر، تمّ إلغاء الأمر، وخلفه كلوديوس عيّن أغريبا، حفيد هيرودوس، ملكا على يهودا حتى سنة 44 م. وعندما مات الملك، أعيدت يهودا مقاطعة تابعة لولاية سورية.

وبعد موت أغريبا، أخذت العلاقات بين اليهود والحكام الرومان تسوء، وكذلك علاقاتهم بالسكان غير اليهود، كما حدث في قيساريا، إذ طلب اليهود امتيازات خاصة، لأن هيرودوس، ملكهم، هو الذي بنى المدينة. فأصدر الإمبراطور أمرا يخرج اليهود من عداد السكان ذوي الحقوق المدنية فيها. وشهدت هذه الفترة (52 ـ 60 م) توترا متزايدا مع الحاكم الروماني، فيلكس الذي رفض تعيين الكاهن الأكبر، يوناتان بن عنان حاكما. وفي أيام فلوريوس (64 ـ 66 م) تفاقم الوضع وعمّت الفوضى. ففضلا عن بروز ظاهرة أدعياء النبوة، وأصحاب الرؤى، فقد ساء الوضع الأمني. فلا السلطات الرومانية، ولا المؤسسات اليهودية صاحبة الحكم الذاتي،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت