فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 604

المتعددة في الإمبراطورية. والمسيحية اقتربت أكثر فأكثر لتشكل ذلك القاسم المشترك، أكان على صعيد الفرد أو الجماعة. وعلى الرغم من العقبات التي واجهها التنظيم الكنسي، خلال قرنين، وخصوصا على صعيد التباينات ـ العقائدية والتنظيمية ـ بين الجماعة المسيحية، فقد استطاع أن يشكل إطارا قادرا على استيعاب الجماهير الواسعة، وتوجيه حياتها الروحية. وقد أفادت الكنيسة في بناء تنظيمها الشامل من وحدة أراضي الإمبراطورية الواسعة، التي كانت مفتوحة أمامها من دون قيود على حرية تنقل رجالها.

وباقتراب نهاية القرن الثالث الميلادي، كانت روما، وما بنته كله، على وشك انهيار سريع؛ فوضى سياسية وهجمات من الخارج وهبوط اقتصادي واضطراب اجتماعي والبحث عن ديانات غير رومانية، تضافرت كلها لتضيق الخناق على البنية الإمبريالية إلى أقصى الحدود. وفي سنة 286 م، برز قائد باسم ديوقلتيان، حاول أن يضع حدا لهذا المسار، فاستطاع إلى حد معيّن أن يوقف التدهور، لكن المسار العام ظل مستمرا. وفي سنة 306 م مات ديوقلتيان، وحل محله قسطنطين، وبذلك بدأت مرحلة جديدة، أدّت إلى انقسام الإمبراطورية إلى شطرين: شرقي، وعاصمته القسطنطينية (بيزنطة) ؛ وغربي، يتقلص ويتهاوى بفعل النشاط الجرماني، وعاصمته روما. وراحت عصور التاريخ القديم تفسح المجال أمام العصور الوسطى، فبرزت الإمبراطورية البيزنطية، ومعها المسيحية، بمنظور كوني جديد، تحتل فيه «فلسطين السورية» (الأرض المقدسة) موقعا خاصا.

رابعا: العصر البيزنطي

يعتبر تدشين القسطنطينية (330 م) عادة، بداية التاريخ البيزنطي. وكما أرسى أغسطس (أكتافيوس) ، قبل ثلاثة قرون ونصف تقريبا، أسس الإمبراطورية الرومانية بعد أن أخرجها من الفوضى التي اجتاحتها لجيل من الزمن، هكذا فعل قسطنطين (306 ـ 337 م) بالنسبة إلى ما صار يعرف لاحقا باسم الإمبراطورية البيزنطية، التي أرسى قواعدها على الديانة المسيحية. ومع أن الإمبراطورية الرومانية لم تنقسم إلى شطرين ـ شرقي وغربي ـ في أيامه، لكن المسار نحو الانفصال كان واضح المعالم. فالولايات الشرقية من الإمبراطورية كانت متقدمة على الغربية، اقتصاديا وحضاريا وثقافيا، بينما أخذت الغربية تتراجع تحت وطأة التأثير الجرماني على جميع الصعد. وأدرك قسطنطين ذلك، فنقل عاصمته إلى الشرق، إلى بيزنطة، حيث بنى عاصمته، ودعاها على اسمه ـ القسطنطينية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت