فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 604

موقعه الديني إلى التدخل في الخلافات العقائدية بين التيارات المتعددة. والواقع أن هذه التيارات، التي اتخذت سمة لاهوتية، لم تكن معزولة قط عن الانتماءات القومية للشعوب داخل الإمبراطورية. وقد تشكلت فعلا كنائس ذات طابع قومي، وخصوصا في الولايات الشرقية ـ مصر وسورية والعراق والجزيرة .. إلخ. وكان للمركزية المطلقة في إدارة الدولة انعكاسات سلبية، سياسية ودينية، في مراحل هبوط مستوى الإدارة، وتفشي الفساد في صفوفها. إذ أخذت الخلافات طابعا مزدوجا ـ دينيا وقوميا، في آن معا.

والخلافات العقائدية واللاهوتية بشأن طبيعة المسيح (وحدة طبيعته البشرية والإلهية، أو انفصالهما) ، أدّت خلال القرنين ـ الرابع والخامس ـ إلى انقسامات حادّة داخل الكنيسة. وفي المجمع المسكوني الرابع (مجمع خلكيدون) ، الذي انعقد بقرار من الإمبراطور (451 م) ، كان الانقسام واضحا بين الشرق والغرب. وعندما أقرّ هذا المجمع ثنائية طبيعة المسيح، وتبنّت الدولة هذا القرار على أنه المذهب الرسمي للكنيسة الأورثوذكسية وبالتالي للدولة، فقد أخرجت الطوائف الأخرى من إطارها. وعندما عمدت إلى فرض الموقف الرسمي قسرا، انفجرت اضطرابات في الولايات الشرقية ـ سورية ومصر ـ حيث كانت أغلبية السكان تتمسك بالعقيدة القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح (المونوفيزيتية) . وقمعت تلك الاضطرابات بعنف شديد، نجم عنه الكثير من إراقة الدماء على أيدي السلطة.

لكن قمع هذه الثورات لم يحل المشكلة بين بيزنطة والولايات الشرقية، إذ وراء الخلافات العقائدية، كانت تكمن تناقضات قومية وسياسية، وخصوصا في سورية ومصر. وأخذت هذه التناقضات تحتدم عبر الصراع ونتيجة القمع، وبالتالي يتسع نطاقها وتبرز بكل وضوح. وسكان هذه الولايات، وخصوصا سورية، أصبحوا بفعل موقعهم يقتنعون بأفضلية الانفصال عن الإمبراطورية البيزنطية، والانضمام إلى الفارسية. والأمر الذي شجعهم على ذلك هو الحفاوة التي استقبل بها «النساطرة» في شمال العراق وبلاد الرها، عندما هربوا من أراضي بيزنطة إلى فارس، إذ سمح لهم بإقامة مراكز دينية، مارسوا فيها تعاليمهم بحرية كاملة، ولم تتدخل الدولة في نشاطهم التبشيري، على طول «طريق الحرير» إلى الصين. وفعلا، فإن هذا الصراع السياسي ـ الديني سهّل على الفرس احتلال بلاد الشام، ومن بعدهم على العرب فتحها، في النصف الأول من القرن السابع الميلادي.

وتعتبر فترة حكم جوستنيان (527 ـ 565 م) فترة ازدهار للحكم البيزنطي القوي في بلاد الشام. فالنشاط العسكري الذي مارسه على جبهات متعددة، وبنجاح ملحوظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت