فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 604

خوفا من أن يستفرد البيزنطيون بكل منهم على حدة. وبذلك تغيّرت الخطط الأولية، إن وجدت، وفرض سير المعارك المسارات اللاحقة.

ولعل المتغيرات التي طرأت على الأرض في مسار القتال، وما تطلّبه ذلك من تجاوز الترتيبات التي قد تكون اتخذت، والتوجيهات التي تذكر المصادر أنها صدرت في المدينة قبل الانطلاق، شكلت جزءا من عملية الإرباك لدى الرواة والمؤرخين التابعين. وكذلك، فإن تشابك الأحداث وتسارعها، في غياب الوثائق المعاصرة، قد أدى إلى تضارب الروايات، الأمر الذي فتح الباب أمام الرواة والمؤرخين التابعين للتعبير عن أهوائهم السياسية، من خلال الأخذ الانتقائي عن السلف. ويكاد لا يمر حدث في هذه العملية من فتح بلاد الشام، والتي دامت نحو خمس سنوات، من دون أن نجد تباينا بالروايات بشأنه أكان ذلك من ناحية تاريخه، أو دور الأشخاص فيه، أو تفصيلاته، كعدد المشاركين في المعركة مثلا ... إلخ. ولكن بغض النظر عن هذه الفروق الجزئية، فهناك إجماع على أن الصدامات الأولى بين العرب والبيزنطيين وقعت في جنوب فلسطين، ثم انتقلت إلى شمالها، ومنها إلى سورية ـ جنوبها فشمالها. وكان هذا هو مسار عملية الفتوحات بصورة عامة، ما عدا بعض المدن التي قاومت وطال حصارها قبل أن تستسلم، مثل قيساريا وغيرها.

ومنذ البداية، حقق العرب انتصارات مهمة في المعارك التي وقعت في فلسطين (منطقة عمليات عمرو بن العاص) ، لكنها لم تحسم الصراع مع البيزنطيين، كما لم تؤدّ إلى سقوط البلد بأكمله في أيدي العرب. فالصراع بشأن بلاد الشام حسم في معركة اليرموك (عند الواقوصة، أو الياقوصة على نهر الرقاد في الجولان) ، وذلك في آب / أغسطس 636 م، إذ انهارت الجيوش البيزنطية، وانسحبت تاركة شمال سورية مفتوحا أمام الجيوش العربية الظافرة. أمّا في فلسطين، فبعد الصدامات الأولى بالقرب من غزة (داثن) ، حشد الطرفان قواتهما في أجنادين (بالقرب من بيت جبرين) ، ودارت معركة حقق فيها العرب نصرا كبيرا (633 ـ 634 م) وبعد ذلك انسحب البيزنطيون إلى بيسان (منطقة عمليات شرحبيل بن حسنة) ، تاركين وسط فلسطين وجنوبها مفتوحا أمام الجيش العربي. ومع سقوط الريف الفلسطيني عامة في أيدي العرب بعد أجنادين، إلّا إن المدن الكبيرة المهمة ـ بيت المقدس وقيساريا وعسقلان وعكا وغيرها ـ بقيت في أيدي البيزنطيين إلى ما بعد معركة اليرموك.

وبعد أجنادين، عمدت القوات العربية إلى تثبيت سيطرتها على الريف في فلسطين وشرق الأردن، ثم ما لبثت، بعد ستة أشهر، أن هاجمت بيسان، التي أخلتها الحامية البيزنطية، بعد أن فتحت سدود المياه لإغراق الأرض وإعاقة تقدم العرب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت