فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 604

ففي أيام الوليد بن عبد الملك، أقوى خلفاء بني أمية، أقيمت أجمل العمارات وأفخمها، وفي النواحي جميعها من الديار الإسلامية. وهذه الديار بلغت في أيامه ذروة اتساعها، إذ وصلت بفعل نشاط الحجاج بن يوسف الثقفي إلى حدود الصين في الشرق، وإلى الأندلس في الغرب، بفعل نشاط موسى بن نصير (الذي يعود نسبه إلى آل نصير، وهم من سبي الخليل، أعتقهم الأمويون، فصاروا من مواليهم) .

وفي أيام الوليد، ولي فلسطين أخوه وولي عهده، سليمان بن عبد الملك. فاختطّ فيها مدينة الرملة، بالقرب من اللد ـ عاصمة الجند، ونقل عاصمته إليها، وبنى فيها قصرا ومسجدا وحفر آبارا وبنى قنوات تجر إليها المياه، فانتقل إليها الناس من بعده، فعمرت الرملة على حساب اللد. وبقي سليمان فيها، حتى عندما أصبح خليفة، إذ لا هو أحب الشام، ولا أهلها أحبوه. وفي نواحي فلسطين المتعددة، أقام الأمويون، أسوة بالغساسنة، القصور والمشاتي في أطراف البوادي وغور الأردن، للاستراحة والاستجمام والصيد واللهو. فبالقرب من بحرية طبرية، أقام معاوية المشتى الجميل، ونزله ابنه يزيد. وأقام الوليد قصر عمرة الفاخر بالقرب من البحر الميت، كما بنى هشام قصرا له في أريحا، وغير ذلك كثير في سورية والأردن والجزيرة.

وتميّزت هذه القصور بفنها المعماري الجميل، الذي مزج بين التراث البيزنطي والشرقي العربي.

ثالثا: العصر العباسي

بسقوط الدولة الأموية، وقيام الدولة العباسية على أنقاضها، فقدت بلاد الشام، ومعها فلسطين، مجدها. لقد انتقل مركز الخلافة إلى الشرق ـ العراق ـ وتحوّل المركز السابق إلى ولاية مغمورة، همّ السلطة الجديدة اقتلاع كل مظاهر سؤددها الماضي، وقمع كل محاولة لاستعادة شيء منه. ولأن بلاد الشام كانت عضد الأمويين، وحتى في ساعة محنتهم، فقد قسا عليها العباسيون، وعملوا على تحطيمها، وضرب القاعدة المادية والبشرية التي استند إليها الأمويون. فحتى آخر أيامهم، ولأسباب ذاتية وموضوعية، ظل الأمويون متمسكين بمشروعهم في ميراث الدولة البيزنطية، وجعلوا بلاد الشام قاعدة انطلاقهم لتجسيد هدفهم المركزي، بينما رأوا في بقية الولايات، بما فيها القطبين التقليديين في الشرق ـ مصر والعراق ـ موارد مداخيل تسخّر في خدمة الهدف الذي تقوده بلاد الشام. وبسقوط بني أمية سقط مشروعهم، وبالتالي فقد تدهورت أوضاع قاعدة ذلك المشروع ـ بلاد الشام.

وبقيام دولة العباسيين تغيّر المشروع، شكلا ومضمونا، فتبدلت القاعدة وتغيّرت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت