فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 604

ألكسيوس كومنينوس (1081 ـ 1118 م) الذي شعر بالخطر على عاصمته، واقتنع بعجزه عن درئه، فقد توجه إلى طلب المساعدة من البابا والغرب الكاثوليكي، متذرعا بالقدس، وإنقاذ الأمكنة المسيحية المقدسة فيها. ويلفت النظر أن ما تعرضت له القدس سابقا، وحتى عندما أمر الحاكم بأمر الله بهدم كنيستي القيامة والصعود، لم يحرّك أباطرة بيزنطة لتحرير قبر السيد المسيح. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصعوبات التي كان يلقاها الحجاج المسيحيون، فقد ردّ عليها الأباطرة بأساليب أخرى تماما: مفاوضات وتهديد وضغوط وهدايا ومعاهدات .. إلخ. أمّا هذه المرة، فقد أوقع الإمبراطور ألكسيوس كومنينوس ـ الضليع في مؤامرات البلاط البيزنطي ـ نفسه في الشرك الذي نصبه لغيره، عندما حاول أن يحل مشكلاته على حساب البابا وحكام أوروبا الغربية، فانقلب الأمر عليه.

كانت الكنيسة قد انقسمت رسميا سنة 1054 م، بعد فترة طويلة من الانقسام الفعلي إلى كنيسة شرقية (أورثوذكسية) ، وغربية (كاثوليكية) ، وبينهما عداء مستحكم.

وعندما توجه ألكسيوس كومنينوس إلى طلب المساعدة من البابا أربان الثاني، انتهز الأخير الفرصة، التي رأى فيها مناسبة لاستعادة وحدة الكنيسة تحت الكرسي الرسولي (الفاتيكان ـ روما) . أمّا ألكسيوس، فلم يكن يفكر بأكثر من دعم بالمقاتلين للصمود في وجه السلاجقة. ولذلك فوجئ عندما بلغه نبأ الدعوة إلى حملة صليبية، والبدء بإعدادها. والفكرة التي دعا إليها البابا انطوت على حركة جماعية من شعوب غرب أوروبا، تحت قيادة حكامهم ونخبة قادتهم العسكريين، ولم تتوقف عند حدود الدفاع عن القسطنطينية، بل تعدت ذلك إلى انتزاع القدس من أيدي المسلمين، تحت شعار «هذه إرادة الله» ، وخلف راية «الصليب المقدس» .

وكانت استجابة البابا لطلب النجدة من إمبراطور بيزنطة مزيجا من الواجب الديني والطموح السلطوي. فإلى جانب الشعور الديني تجاه مسيحيي الشرق وضرورة مساندتهم، وكذلك إزاء استعادة السيطرة على الأمكنة المقدسة في الشرق ـ مهد المسيحية ـ كانت هناك رغبة جامحة لدى البابوات في تكريس سلطتهم على الكنيسة الموحدة. وكان الكرسي الرسولي، أيام البابا غريغوريوس السابع، قد عزّز موقعه إزاء حكام أوروبا خلال القرن الحادي عشر. وجاء بعده البابا أربان الثاني النشيط، فعمل على تكريس الدور القيادي الذي تؤديه الكنيسة في أوروبا. وفي طلب المساعدة الذي تقدم به إمبراطور بيزنطة، لاحت فرصة مواتية لتحقيق هذا الهدف. ورأى البابا أن اضطلاع الكنيسة الكاثوليكية الغربية بالدور المركزي في الحملات الصليبية، سيمكنها من احتلال الموقع القيادي المرغوب، دينيا وسياسيا، في الشرق كما في الغرب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت