فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 604

الغابات المتراجعة شمالا بفعل المناخ، واجه إنسان الشرق الأدنى ظاهرة التصحر والجفاف بتوزيع جديد للسكان، وتحوّل في نمط حياته، وتنوع في غذائه، نجم عن ذلك تطور في حضارته المادية. ويعتبر البعض هذه الفترة، التي امتدت من 000، 18 سنة ق. م. إلى 000، 10 سنة ق. م. تقريبا، فترة انتقالية من اقتصاد الصيد والجمع والالتقاط إلى اقتصاد الإنتاج. ومنهم من يضمها إلى الميزوليت.

ويستخلص الباحثون من دراسات متعددة ـ مناخية وجغرافية وجيولوجية ونباتية وحيوانية وإنسانية ـ أن مناطق صحراوية تكونت في الأردن وفلسطين في هذه الفترة، الأمر الذي انعكس في توزّع جديد للسكان. وانحصر التوزع الجديد في مناطق تتوفر فيها مصادر الماء والغذاء، إذ أقام السكان مستوطنات موقتة لجماعات صغيرة من الصيادين. وإزاء نضوب مصادر معيشته، لجأ إنسان هذا العصر إلى تنويع غذائه، وأضاف إليه بذور الأعشاب البرية الصغيرة، والقمح والشعير وغيرها. فأصبحت الحبوب على أنواعها عنصرا مهما في غذائه، وبالتالي في أدوات عمله التي أصبحت تضم أدوات الطحن ومناجل الحصاد وصنانير صيد الأسماك وغيرها.

وعلى اعتبار أن الحضارة الكبّارية تتبع الباليوليت الأعلى والأخير، فهي تبشر بإنجازات كبيرة لاحقة، أبرزها بناء البيوت الأولى التي سكنها الصيادون والملتقطون في المواسم، إذ إنهم بنوها على شكل حفر دائرية صغيرة، على السفوح والمنحدرات والمصاطب، جدرها وأرضها من الطين والحجر، وسقفها من الجلد والأغصان. وفي النقيب، على الشاطئ الجنوبي ـ الشرقي لبحرية طبرية، اكتشف أقدم بناء معروف في بلاد الشام حتى الآن، يعود بناؤه إلى ما قبل نحو 000، 14 سنة ق. م. وعلى الرغم من التطور الحضاري المادي، فإنه لا يمكن اعتبار هذا العصر جديدا تماما، وخصوصا أن الاقتصاد البشري فيه ظل قائما على الصيد والجمع والالتقاط، وإن بكثافة أعلى.

ومهما يكن الأمر، فإن نهاية الباليوليت، والانتقال إلى الميزوليت، يعنيان أمورا متباينة تماما بالنسبة إلى كل من أوروبا والشرق الأدنى. فبينما آذن غروب الحضارة المجدلانية، ذات التراث المادي والروحي الغني في الباليوليت الأعلى، بدخول أوروبا في فترة مظلمة استمرت خلال الميزوليت، فإنه بشّر في المقابل ببزوغ نهضة جديدة في الشرق الأدنى، بدأ نبضها في الحضارة الكبّارية، وبلغ ذروته في الحضارة النطوفية. وتبرز مؤشرات هذا التحوّل في الإنجازات المادية، التي عقبتها تطورات اجتماعية وروحية. ويعتبر البعض هذه الفترة في الشرق الأدنى منعطفا للحضارة الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت