فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 604

إلى درجة كبيرة، أطلق عليها الاسم الصّدفي ـ النطوفية، امتدت من النيل إلى الفرات. وتظهر تلك الحضارة فوارق محلية، بنسب متفاوتة، أو تفاوتا في مستويات التقدم والرقي، وهو طبيعة الأشياء نتيجة حياة الاستقرار، التي لا بدّ من أن تنطوي على درجة من الخصوصية، من دون أن يغيّر ذلك كثيرا في الأساس، إذ تلتقي الجماعات البشرية في السمات العامة لنمط حياتها وحضارتها المادية في هذه المنطقة، خلال هذا العصر.

ثالثا: العصر الحجري الحديث

(النيوليت)

يمثل هذا العصر المرحلة الأخيرة من عصور ما قبل التاريخ الحجرية، أي ما قبل الكتابة، ولهذا انطوى على ممهدات الانتقال إلى العصور التاريخية، بكل ما يعنيه ذلك من أهمية لحضارة الإنسان على الأرض. ويعتبره البعض أهم العصور على الإطلاق، قبل التاريخ وبعده. وليس ذلك إلّا لأنه شهد ثورة اقتصادية واجتماعية كبيرة، تصعب المبالغة في تقدير أهميتها، فهي ـ إن جاز التعبير ـ ثورة الإنسان على الطبيعة، وتحقيق انتصارات مهمة عليها، في حين أن معظم الثورات اللاحقة كانت ـ إلى حد كبير ـ ثورة الإنسان على الإنسان لتحقيق هيمنة الجزء على الكلّ.

لقد ارتفع في هذا العصر القصير نسبيا، مستوى التقدم الإنساني الحضاري والمادي والروحي إلى ذرى جديدة. فالإنجازات التي حققها إنسان هذا العصر، مستندا طبعا إلى تراث أسلافه، وفرت له المزيد من السيطرة على بيئته. وتحت وطأة مستلزمات المعيشة المتزايدة باطّراد، وذلك نتيجة نضوب الموارد بالتدريج، من جهة، وتزايد العدد السكاني، مع التطلع إلى توفير أوضاع أفضل لنمط حياة الناس، من جهة أخرى، انطلقت، بفعل النشاط الذهني للإنسان، سلسلة من التطورات، اتخذت شكل طفرات، هي التي اصطلح على تسميتها ثورة النيوليت. وهذه الثورة هي التي وضعت الأساس المادي والفكري المباشر للانعطاف الجذري والأهم في تاريخ البشرية، والذي يتلخص بالانتقال من الاعتماد الطفيلي على الطبيعة، إلى الإنتاج المستغل لخيراتها، عبر الجهد والعمل.

والإنجازات الحضارية التي حققها إنسان النيوليت، وخصوصا في الشرق الأدنى، جعلته أقلّ عرضة للهلاك بسبب تقلبات المناخ، أو شحّ موارد الغذاء. ويعود ذلك ـ أساسا ـ إلى ابتكار الزراعة بفرعيها النباتي والحيواني، فقد قامت هذه الزراعة ـ عدا الأحوال المناخية والجهود البشرية ـ على العناصر الستة: القمح والشعير والماعز

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت