فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 604

ساحلية وجبلية وصحراوية ونهرية وغيرها. لكن الموقع الذي أولي الأهمية المطلقة لفرادته هو أريحا، في جوار البحر الميت. ففي تل السلطان، موقع أريحا القديمة، القريب من عين السلطان، توجد آثار المدينة الوحيدة المعروفة حتى الآن في العالم، والتي يعود تاريخها إلى ما قبل 9000 عام. وهذه المدينة المسوّرة، سبقت ب 4000 عام أيّ استيطان مديني معروف حتى الآن. ولذلك فهي تشكل أحجية أثرية، تثير الكثير من التساؤلات التي لم يتفق الباحثون على الإجابة عنها، أو على تقديم تفسير متماسك ومنطقي لازدهار مدينة كهذه في ذلك الزمان والمكان.

فأريحا، التي ينخفض موقعها (تل السلطان) نحو 275 م تحت سطح البحر، وحيث معدل هطول الأمطار لا يزيد عن 100 ملم سنويا، والتي تدين بقيامها وبقائها للنبع المجاور، عين السلطان، هي ظاهرة فريدة، ليس في الشرق القديم فحسب، بل في العالم أيضا. فقد عاصرتها مستوطنات وقرى زراعية كثيرة في جميع أنحاء الهلال الخصيب ومصر، إلّا إنه لم تكتشف حتى الآن في هذه المنطقة، آثار مدن محصنة قبل الجزء الأخير من الألف الرابع قبل الميلاد، في حين يعيد الباحثون أسوار أريحا إلى الألف السابع قبل الميلاد. وهي بذلك، ولكبر حجمها وعدد سكانها الذي يقدره البعض ب 3000 نسمة، تطرح الكثير من الأسئلة بشأن نشوئها وازدهارها ومصادر ثروتها، ونظامها الاقتصادي ـ الاجتماعي.

ولأسباب موضوعية، أي فرادة الظاهرة، كما لأخرى ذاتية، أي أعمال التنقيب الواسعة والمنهجية التي أجريت فيها، فإنّ أريحا تعدّ الموقع النموذج الأرقى لهذا العصر والذي يمكن من خلال المعلومات التي يوفرها تتبّع مراحل الانتقال من النطوفية (الميزوليت) ـ القرية المفتوحة ـ إلى المدينة المسوّرة (النيوليت) حتى العصور اللاحقة وبصورة متواصلة ومتكاملة. فقد ساهمت أوضاع أريحا البيئية الخاصة، بتطورها إلى مدينة بوقت مبكر جدا، بينما ظلت المستوطنات في مواقع أخرى، صغيرة، كما هو الحال في موقع وادي فلاح، حيث تحتل قرية صغيرة مصطبة محدودة عند مدخل المغارة. ويعزو بعض الباحثين ازدهار أريحا إلى اشتغال أهلها بالتجارة، وخصوصا بمستخرجات البحر الميت: الملح والقار والكبريت.

ويتميّز موقع أريحا بآثاره العمرانية، إذ كشف عن منازل مؤلفة من غرفتين وأكثر، مبنية من اللبن المسطح المحدّب وجدرها مائلة إلى الداخل، وهو ما يشير إلى أن سقوفها كانت مقببة. لكن أهم ما يثير الانتباه في الموقع في هذا العصر المبكر هو الأبنية الحجرية الواسعة، والسور الذي يقوم عليه برج عال. وتشير الدلائل إلى أن هذه التحصينات الضخمة بمقاييس العصر، صمّمت منذ البداية لأغراض دفاعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت