فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 604

نطاق ضيق، في موقع تل أسود. غير أن التعبير الأكثر دلالة على مستوى تطور هذه الصناعة المهمة، والتي أصبحت الأساس لتمييز الحضارات اللاحقة، جاء من منطقة العمق، شمال سورية، ومنها انتشر في أرجاء الشرق القديم.

ويبدو أن صناعة الفخار وصلت متأخرة إلى فلسطين، وربما من سورية، إذ تشير الدلائل المتوفرة إلى استخدامه في فترة مبكرة أكثر. وبناء على ذلك، تعتبر سورية موطن الفخار الأول. وتقدم منطقة العمق صورة عن تتالي المراحل في تطور هذه الصناعة وانتشارها، منذ بداية الألف السادس قبل الميلاد. وبينما تكشف هذه الصورة عن استمرارية حضارية في سورية، فإنها تظهر فجوة في فلسطين تم تخطيها لاحقا. ويستخلص الباحثون من ذلك قيام هجرات من سورية إلى فلسطين في فترة ما بعد الفخار، أعطت دفعا لمستوطنات قديمة، مثل أريحا، وإقامة أخرى جديدة، مثل المنحتة، بالقرب من بيسان، وتل الأقحوانة، في دلتا اليرموك، التي أطلق عليها اسم الحضارة اليرموكية.

وتقابل حضارة العمق في سورية حضارة جبيل في لبنان، التي تحتل موقعا متميزا على الساحل، شمالي بيروت، من عصر النيوليت الفخاري في بلاد الشام. وهاتان الحضارتان تعاصران مرحلة «حلف» الوسطى في العراق. ويظهر التأثير السوري على صناعة الفخار الأولى في فلسطين في عدد من المواقع، وخصوصا في منطقة الحولة: عين الملاحة وعينان وتل القاضي وغيرها، حيث وجدت الأواني الفخارية المشابهة لتلك التي اكتشفت في تل الرماد، في الجزء الجنوبي من سورية. أمّا في الأردن، فهناك الكثير من المواقع التي تعود إلى هذا العصر: البيضا (شمال البتراء) وعين غزال (بين عمان والزرقاء) وغيرهما.

ومع انتهاء مرحلة النيوليت ما قبل الفخار، والتي عرفت باسم الحضارة الطاحونية، والموقع النموذج لها هو أبو غوش، بالقرب من القدس، ظهرت في فلسطين ثلاث حضارات فخارية، هي: اليرموكية والساحلية (وخصوصا في وادي رباح بالقرب من رأس العين) والمنحتة (غور بيسان) . وفي هذه المرحلة حدثت تغيّرات متعددة، أكثرها وضوحا كان في مجال الأواني الفخارية من حيث الإتقان والألوان والزخارف، فضلا عن تنوع الأشكال. كما استبدلت البيوت المستديرة بأخرى مستطيلة، مؤلفة من غرفتين أو ثلاث. وبينما كانت الطاحونية تنحصر في الجنوب والصحراء، دخلت كما يبدو شعوب أخرى من الشمال والشرق، حملت معها إلى فلسطين صناعة الفخار.

وأهمية الحضارة اليرموكية، تل الأقحوانة، أنها تمثل المرحلة المبكرة لصناعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت