فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 604

(بلاد سومر) ، هو السبّاق لقيام مثل هذه المدن ـ الدولة، وتبعته مصر. أمّا بلاد الشام فقد تأخرت عنهما، كمّا ونوعا. ومع أنها شهدت في هذا العصر قيام المدن، إلّا إنها ظلت من حيث الحجم والموارد أصغر من أن تشكل الندّ لمدن كل من العراق ومصر.

ومن المتفق عليه عموما الآن، أن الانتقال من مجتمع القرية إلى حضارة المدينة ـ الدولة وقع في وادي دجلة والفرات الأسفل. أمّا الأسباب التي أدّت إلى هذا التطور النوعي، فيدور بشأنها نقاش واسع بين المؤرخين، والطروحات عندهم متباينة. فهناك من يرى أن ظاهرة قيام المدن كانت النتيجة الطبيعية لتقدم القرى وازدياد عدد سكانها، وامتلاكها الخبرات والأدوات والمؤسسات ... إلخ. ويذهب البعض إلى حدوث طفرة درامية، أدّى استعمال المعادن دورا كبيرا فيها. وهناك من يعود إلى نظرية المناخ، وبالتالي الجفاف، وضرورة اللجوء إلى زراعة الريّ، وتنظيم المجتمع على هذا الأساس. كما يطرح البعض هجرات جديدة من الشعوب، حملت معها سمات حضارتها من مواطنها الأصلية.

وإذ توجد دلائل تدعم وجهات النظر أعلاه كلها، فليس من المستبعد تضافر عوامل متعددة لإيجاد ظاهرة المدينة ـ الدولة. ومهما يكن الأمر، فإنه نحو سنة 4000 ق. م.، حدث انتقال مفاجئ في نمط حياة سكان وادي دجلة والفرات، وخصوصا في الجزء الأسفل منه. ففي هذا الجزء توفرت أرض خصبة، قابلة للاستصلاح بقليل من الجهد، وكذلك تنظيم عملية الريّ، أو صيانة الحقول من الفيضانات الجارفة. وفي الأرض الرخوة التي تخلفها مياه الأنهار لدى انحسارها بعد الفيضان، إضافة إلى مناخ حار، تنمو المزروعات بسرعة إذا توفرت مياه الري في أشهر القيظ. وكذلك، ففي المستنقعات ثروة سمكية غنية، كما أن التمور في جنوب العراق رفدت سلّة غذاء الناس في تلك المنطقة.

وتشير المعلومات المتوافرة إلى أنه نحو سنة 4000 ق. م.، ظهرت في جنوب العراق مدن كبيرة، لا تقل بحجمها عن المستوطنات التي تسقيها مياه الأمطار الغزيرة. وهذا يدل على أن الناس في تلك المنطقة ـ حيث معدل سقوط الأمطار يتدنى إلى حد الانقطاع ـ قد ابتكروا أساليب للريّ، بدءا في جوار مجاري الأنهار، ثم راحوا يوسعون الرقعة المروية ببناء سدود أكبر وأفضل، وبطرق أكثر تعقيدا. ونحو سنة 3500 ق. م.، كانت حضارة المدن السومرية قد تأسست، وهو ما يدل على أن هذا الشعب قد امتلك القدرة، عبر تنظيم المجتمع، وتشكيل سلطة مركزية، على بناء أنظمة ريّ متطورة، سمحت له باستغلال الإمكانات الزراعية المتوفرة في وادي نهري دجلة والفرات الأسفل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت