فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 604

السهل الساحلي، الذي بقي في أيدي الفلسطيين. وبعد ذلك توجه نحو شرقي الأردن، واشتبك مع العمونيين والمؤابيين الذين كانوا يعملون لترسيخ سلطتهم هناك.

وبسبب نشاطه العسكري في الجلعاد، اصطدم داود مع العمونيين والمؤابيين في شرقي الأردن، ومع الأراميين في سورية. وبغض النظر عن المبالغة التوراتية في حدود مملكة داود، الأمر الذي لا نجد له صدى في المصادر الأخرى المعروفة، فإن في الإمكان الافتراض أنه برز كقوة في هذه المرحلة، بفضل أوضاع سياسية خاصة، أدت إلى تدهور أوضاع الإمبراطوريات الكبيرة كلها المعروفة في الشرق الأدنى آنذاك، وأفسحت المجال أمام قيام مملكة داود. فدولة الحثيين انهارت بفعل حركة شعوب البحر، والإمبراطورية المصرية تراجعت بتضافر عوامل خارجية وداخلية. وكذلك حدث في أشور وبابل، بعد أيام تغلات بلّيسر الأول (نحو 1100 ق. م.) ، الأمر الذي دفع الأراميين إلى التمدد والعمل على إقامة ممالك مستقلة في سورية: دمشق وصوبا وجشور وغيرها.

ويظهر أن داود أقام علاقات تجارية ودبلوماسية مع ملك حماة، توعي، في مواجهة الأراميين الآخرين، ومع حيرام، ملك صور الفينيقي، لأغراض تجارية. وكذلك فعل مع العمونيين، إذ لضرورات سياسية واعتبارات داخلية، زوّج ابنه سليمان من نعامة، ابنة الملك العموني. وهو نفسه تزوّج من ابنة ملك جشور الأرامي. أمّا في الداخل، فلم يحقق الكثير في حياته، إذ شغل بالحروب، فأدّى ذلك إلى تذمر القبائل، وحتى إلى ثورة ابنه أبشالوم عليه، بدعم من قبيلته ـ يهودا ـ الأمر الذي اضطره إلى الهروب واللجوء إلى حماية العمونيين. وفي آخر أيامه، أمر بإجراء إحصاء للسكان، لضرورات جباية الضرائب، والتجنيد للجيش وأعمال الملك (السخرة) ، فأثار بذلك نقمة القبائل وتمرّدها عليه.

وفي سعيه لتوحيد القبائل الإسرائيلية حول ملكه وعاصمته، اصطدم داود بالنزعة الانفصالية القوية لدى تلك القبائل. لقد نقل تابوت العهد ـ رمز وحدة بني إسرائيل من أيام موسى ـ إلى أورشليم، وأخذ يعد لبناء قصر لنفسه وهيكل ليهوى. فجمع مواد البناء، وكذلك الذهب والفضة لهذا الغرض، الأمر الذي أدّى إلى تذمر الناس من عبء الضرائب. كما ثار بعض القبائل ضد المحاباة التي خصّ بها قبيلته ـ يهودا ـ بإعفائها من الأتاوات، ومنحها الامتيازات عبر المواقع الرفيعة في الجيش والإدارة المدنية. وفي النتيجة، لم ينجح داود في التغلب على النزعة الانفصالية لدى القبائل الإسرائيلية، وكان لا بدّ من اللجوء إلى أعمال القمع لفرض سلطانه، وتأمين حاجات جهاز الدولة المركزية من النفقات والتموين وأعمال العمارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت