فهرس الكتاب
الفرصة ووسع حدوده الشمالية على حساب يربعام بن نباط، ملك إسرائيل. وفي حربه هذه، عقد أبيام تحالفا مع بن هداد (حدد) ، ملك دمشق الأرامي. ومنذئذ دخلت أرام دمشق عنصرا دائما في الصراع الدائر بين يهودا وإسرائيل.
وخلال فترة طويلة، ظل ملوك يهودا ينظرون إلى أنفسهم على أنهم بيت الملك الشرعي، وإلى ملوك إسرائيل على أنهم منشقون، يجب انتهاز الفرصة لإخضاعهم وضمّ أراضيهم إلى المملكة الموحدة ـ يهودا. وبناء عليه، فلم يعنوا بتحصين حدودهم الشمالية، بانتظار الفرصة التي لم تأت. في المقابل، ومنذ البداية، كان همّ يربعام في إسرائيل تكريس الانفصال، وإعطاءه التعبيرات السياسية والدينية، التي لا تمت بصلة إلى أورشليم ـ بلاطا أو هيكلا. فأعاد الاعتبار إلى أمكنة العبادة القديمة، وأقام فيها العجول المذهّبة، الأمر الذي اعتبره كتبة التوراة عودة إلى عبادة الأصنام. وجعل عاصمته أولا في شيكم، ثم نقلها لاحقا إلى السامرة.
إن العوامل التي أدّت إلى انقسام مملكة داود بعد موت سليمان، عادت لتفعل فعلها في مملكة إسرائيل بعد استقلالها. فوقوعها بين مطرقة الأراميين، القوة الصاعدة في دمشق، وسندان يهودا التي تحالفت معهم، أدخل إسرائيل في مأزق خارجي، بينما بنيتها الداخلية كانت قائمة على ائتلاف قبلي هش. والهزائم المتتالية التي لحقت بيربعام، خلخلت أركان حكمه، فانتهز بعشا بن أحيّا (906 ـ 883 ق. م.) ـ من سبط يسّخار ـ الفرصة، وقضى على سلالة يربعام، وبالتالي على زعامة قبيلة إفرايم في مملكة إسرائيل. وبذلك دخلت إسرائيل في صراع داخلي بشأن السلطة، بينما ظلت يهودا أكثر تماسكا بسبب ارتكازها أصلا على قبيلة واحدة، هي يهودا، التي خرجت منها سلالة داود المالكة.
وفي غياب تهديد جدّي لبلاد الشام، أكان ذلك من مصر أو العراق، وحياد المدن الفينيقية على الساحل، اندلع صراع مثلث الجوانب بين ممالك الداخل ـ دمشق والسامرة وأورشليم ـ لم تستطع أي منها حسمه لمصلحتها تماما. وبداية عمد بعشا إلى التحالف مع دمشق ضد يهودا، واستطاع بذلك أن يستعيد الأراضي التي خسرتها إسرائيل أيام أبيام. لكن ملك يهودا، آسا (908 ـ 867 ق. م.) الذي راح يحسّ بالخطر، سواء من الشمال (تحالف دمشق ـ السامرة) ، أو من الجنوب (حركة زيرح الكوشي) بتحريض من مصر، سارع إلى التحالف مع دمشق، والتعاون معها ضد السامرة. لكن آسا، الذي تمتع بشعبية في بداية حكمه، نظرا إلى انحيازه ضد العبادات الأجنبية في يهودا، راح يواجه مشكلات داخلية لتحالفه مع الأراميين، ربما بتحريض من مصر، الأمر الذي حمله على اللجوء إلى القمع لإخماد المعارضة الشعبية ضده.