فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 245

لتوحيد الصّفّ مع مروان بن محمد إذ انحلّت قاعدتها الشامية في الأعماق، كما أنّ الحركة الخراسانية أبدت جدّيتها وشدتها ضدّ القوى الشامية وحتّى الجيوش العراقية الضّخمة. فالفتنة ابتدأت من سنة 127 ه‍واستعرت من 129 ه‍. وكانت قاعدة الشرعية العباسية ـ المبنية على الغموض ـ رهيفة في سنة 132 ه‍. فتفجّرت المطامع والانشقاقات المكبوتة عند تولية أبي جعفر بعد أربع سنوات أي في 136 ه‍، لكنّها وجدت أمامها رجلا حازما، قويا، شديدا، لا يني ولا يرحم، من طراز مؤسّسي الدول وهو الباني الحقيقي للدولة العبّاسية.

وبالطبع فإنّ مثل هذه الأزمة في قلب الإسلام كان لها أقوى صدى في الجهات النائية مثل بلاد المغرب والأندلس. هي نائية جغرافيا ومتأخّرة في الفتح زمنيا، مثلها في هذا كمثل ما وراء النهر (آسيا الوسطى) أو كمثل السّند مع فروق واضحة وشخصية خاصّة. فقد رأينا استقلال إفريقية الفعلي وحتّى القانوني تحت سلطة الفهريين وهم من أحفاد عقبة ومن رؤساء عرب إفريقية بدءا من 129 ه‍إلى حدود 144 ه‍، ورأينا أيضا تكوين إمارة سجلماسة الخارجية البربرية ثم سيتلو تكوين إمارة الأندلس الأمويّة بدءا من 138 ه‍. إلّا أنّ الاستقرار لن يتم قبل زمن طويل وأخيرا ستبرز مملكة الأدارسة في المغرب الأقصى حوالى 170 ه‍ (1) وإمارة تلمسان الرستمية، وأخيرا الإمارة الأغلبية التي لم تقطع الصّلة مع الخلافة لكنّها كانت إمارة وراثية وشبه مستقلة. ماذا يعني هذا سوى أنّ بلاد المغرب والأندلس الشاسعة والبعيدة انفلتت كلّها من قبضة الخلافة المركزية بعد قرن من إلحاقها مع موسى بن نصير (84 ه‍) أو أقلّ من قرن بخصوص الأندلس.

ومع هذا، لم تخرج هذه الرقعة التي تمثّل عالما في حدّ ذاته، عن دائرة الإسلام وحتى عن دائرة العروبة الحضارية والثقافية. بل إنّ إفريقية

(1) ابن العذاري، البيان المغرب، ج 1، ص 210: «استوطن وليلي ثمّ نزل على إسحاق بن عبد الحميد سنة 172، فقدّمه قبائل البربر، وأطاعوه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت