فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 245

البربر إلى عنّابة حيث تحصّنوا. لقد وقع الإحساس بهذا العمل البطولي على أساس أنه ضربة قاسية ضد الحضور البيزنطي، وإضرار خطير بالاستقلالية البربرية في نفس الوقت. من جديد، كان البربر في حالة غليان، فحاولوا تجميع قواتهم وقاموا بانتفاضة كبيرة لمواجهة التهديد العربي.

لقد تجسّدت آمال البربر في امرأة هي الكاهنة، التي وإن كانت مقطوعة عن المساعدة البيزنطية غير المهمّة من الآن فصاعدا، فإنها ستفرض نفسها كقائد أعلى لحركة المقاومة الثانية والأخيرة. إنّ الكاهنة واسمها الحقيقي دهيا بنت طابيتا بن تيفان، كانت إذا ما صدّقنا علماء النّسب البربر، أرملة «ملك» جراوة قبيلة «البتر» من جبال الأوراس الشرقية. واضطلعت الكاهنة بالوصاية على ابنيها أو أبنائها الثلاثة الذين كانوا صغار السن لتحمّل أعباء الحكم، ففرضت نفسها عبر خصالها التنبئيّة وكفاءتها في القيادة. وحسب مخطط خاص بالمجتمع البربري، تأخذ قبيلة كبيرة ومهيمنة زمام المبادرة ـ مثال جراوة هنا ـ فتنجح في تجميع تكتّلات أخرى حولها، غير أنها تنذر دائما بالتفكّك. ويمكن أن توجد، من دون شك، في محيط الكاهنة بقايا لجيش كسيلة، ولكن توجد هيمنة إثنية بتريّة لا يمكن أن تحجب عنّا مع ذلك التمركز النوميدي الأوراسي لكل حركات المقاومة هذه أي حركة كسيلة وحركة الكاهنة معا.

بمقارنة الحركة الأولى بالثانية، يبدو أن الأخيرة كانت أكثر شدّة وأهمية، إذا ما وقع مراعاة فخامة القوات العربية التي كان عليها أن تحاربها. فكسيلة لم ينتصر إلّا عن طريق هجوم مفاجئ أسعفه فيه الحظّ.

وسحقت الكاهنة الجيش العربي في أرض مكشوفة، ولم يكن قائد البرانس ـ المرتبط بالبيزنطيّين والعرب في نفس الوقت ـ دون اتصالات مع عالمين منظّمين سياسيا ولكنهما خارجين عن البربر. أما كاهنة جراوة فقد مثّلت نقاء حركة بربرية في الجوهر، وما كان ينقصها هو إدراك معنى الدولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت