وقال النظام، والفلاسفة، بأن الأجزاء تتجزأ إلى ما لا نهاية1.
والذين نفوا الجوهر الفرد من الكلابية، والكرامية، وغيرهم، لا يقولون بقول النظّام والفلاسفة2.
والتحقيق كما يقول شيخ الإسلام - رحمه الله:"أن كلا المذهبين باطل، والصواب ما قاله من قاله من الطائفة الثالثة، المخالفة للطائفتين، أن الأجسام إذا تصغرت أجزاؤها، فإنها تستحيل، كما هو موجود في أجزاء الماء، إذا تصغر فإنه يستحيل هواءًا أو ترابًا، فلا يبقى موجود ممتنع عن القسمة - كما يقوله المثبتون له - فإن هذا باطل، بما ذكره النفاة من أنه لا بد أن يتميز جانب له عن جانب، ولا يكون قابلًا للقسمة إلى غير نهاية، فإن هذا أبطل من الأول، بل يقبل القسمة إلى حد، ثم يستحيل إذا كان صغيرًا، وليس استحالة الأجسام في صغرها محدودًا بحد واحد، بل قد يستحيل الصغير وله قدر يقبل نوعًا من القسمة، وغيره لا يستحيل حتى يكون أصغر منه، وبالجملة فليس في شيء منها قبول القسمة إلى غير نهاية، بل هذا إنما يكون في المقدرات الذهنية، فأما وجود مالا يتناهى بين حدين متناهيين فمكابرة، وسواء كان بالفعل أو بالقوة، ووجود موجود لا يتميز جانب له عن جانب مكابرة، بل الأجسام تستحيل مع قبول الانقسام، فلا يقبل شيء منها انقسامًا لا يتناهى، كما أنها إذا كثرت وعظمت تنتهي إلى حد تقف عنده، ولا تذهب إلى أبعاد لا تتناهى"3.
وهذا ما أثبته العلم الحديث، حيث إن الذرة في العلم الحديث تقابل الجوهر الفرد عند المتكلمين، وقد أثبت أن لهذه الذرة نواة أصغر منها بآلاف المرات، وأن هذه النواة تنقسم، ويولد انقسامها طاقة هائلة4.
ومثبتو الجوهر الفرد قولهم باطل من وجوه:
الأول: أنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أن الرسول، والصحابة، والتابعين، وأئمة المسلمين، لم يبنوا شيئًا من أمر الدين على ثبوت الجوهر الفرد، ولا انتفائه، وليس المراد
1 -انظر: الشامل 1/49.
2 -انظر: بيان تلبيس الجهمية 1/284 - 285.
3 -المرجع السابق 1/285.
4 -انظر: المعجم الفلسفي للدكتور الحفني ص 128.