فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 295

فطاف بالكعبة، والقراء أمامه، والمؤذن الزمزمي يغرد في سطح قبة زمزم، رافعا عقيرته بتهنئته بالموسم والثناء عليه والدعاء له على العادة. فلما فرغ من الطواف، صلى عند الملتزم، ثم جاء إلى المقام وصلى خلفه، وقد أخرج له من الكعبة ووضع في قبته الخشبية التي يصلى خلفها. فلما فرغ من صلاته رفعت له القبة عن المقام، فاستلمه وتمسح به، ثم أعيدت القبة عليه، وأخذ في الخروج على باب الصفا إلى المسعى. وانجفل بين يديه، فسعى راكبا والقواد مطيفون به، والرجالة الحرّابة أمامه، فلما فرغ من السعي استلت السيوف أمامه، وأحدقت الأشباع به، وتوجه إلى منزله على هذه الحالة الهائلة مزحوفا به، وبقي المسعى يومه ذلك يموج بالساعين والساعيات.

فلما كان اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة، كان طريق العمرة في العمارة قريبا من أمسه، راكبين وماشين، رجالا ونساء والماشيات المتأجرات كثير يسابقن الرجال في تلك السبيل المباركة، تقبل الله من جميعهم بمنه. وفي أثناء ذلك يلاقي الرجال بعضهم بعضا فيتصافحون ويتهادون الدعاء والتغافر بينهم، والنساء كذلك. والكل منهم قد لبس أفخر ثيابه، واحتفل احتفال أهل البلاد للأعياد. وأما أهل البلد الأمين فهذا الموسم عيدهم، له يعبأون وله يحتفلون، وفي المباهاة فيه يتنافسون وله يعظمون، وفيه تنفق أسواقهم وصنائعهم، يقدمون النظر في ذلك والاستعداد له بأشهر.

سراة اليمن والتزود بالمؤن

ومن لطيف صنع الله، عز وجل، لهم فيه اعتناء كريم منه سبحانه بحرمه الأمين، أن قبائل من اليمن تعرف بالسرو، وهم أهل جبال حصينة باليمن تعرف بالسراة، كأنها مضافة لسراة الرجال، على ما أخبرني به فقيه من أهل اليمن يعرف بابن أبي الصيف، فاشتق الناس لهم هذا الاسم المذكور من اسم بلادهم. وهم قبائل شتى كبجيلة وسواها، يستعدون للوصول إلى هذه البلدة المباركة، قبل حلولها بعشرة أيام، فيجتمعون بين النية في العمرة وميرة البلد بضروب من الأطعمة كالحنطة وسائر الحبوب إلى اللوبياء، إلى مادونها. ويجلبون السمن والعسل والزبيب واللوز. فتجمع ميرتهم بين الطعام والإدام والفاكهة. ويصلون في آلاف من العدد، رجالا وجمالا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت