فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 295

وأما صلاتهم فلم يذكر في مضحكات الأعراب أظرف منها، وذلك أنهم يستقبلون البيت الكريم فيسجدون دون ركوع وينقرون بالسجود نقرا، ومنهم من يسجد السجدة الواحدة ومنهم من يسجد الاثنتين والثلاث والأربع ثم يرفعون رؤوسهم من الأرض قليلا وأيديهم مبسوطة عليها، ويلتفتون يمينا وشمالا التفات المروع، ثم يسلمون أو يقومون دون تسليم ولا جلوس للتشهد. وربما تكلموا في أثناء ذلك، وربما رفع أحدهم رأسه من سجوده إلى صاحبه وصاح به ووصاه بما شاء، ثم عاد إلى سجوده، إلى غير ذلك من أحوالهم الغريبة.

ولا ملبس لهم سوى أزر وسخة أو جلود يستترون بها. وهم مع ذلك أهل بأس ونجدة، لهم القسي العربية الكبار كأنها قسي القطانين (1) لا تفارقهم في أسفارهم، فمتى رحلوا إلى الزيارة هاب أعراب الطريق الممسكون للحاج مقدمهم، وتجنبوا اعتراضهم، وخلوا لهم عن الطريق. ويصحبهم الحجاج الزائرون فيحمدون صحبتهم. وعلى ما وصفنا من أحوالهم، فهم أهل اعتقاد للإيمان صحيح. وذكر أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ذكرهم وأثنى عليهم خيرا، وقال: «علموهم الصلاة يعلموكم الدعاء» . وكفى بأن دخلوا في عموم قوله، صلى الله عليه وسلم: «الإيمان يمان» إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في اليمن وأهله. وذكر أن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، كان يحترم وقت طوافهم ويتحرى الدخول في جملتهم تبركا بأدعيتهم، فشأنهم عجيب كله.

وشاهدنا منهم صبيا في الحجر قد جلس إلى أحد الحجاج يعلمه فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص، فكان يقول له: قل هو الله أحد فيقول الصبي: هو الله أحد فيعيد عليه المعلم، فيقول له: ألم تأمرني بأن أقول: هو الله أحد؟ قد قلت. فكابد في تلقينه مشقة، وبعد لأي ما علقت بلسانه. وكان يقول له: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، فيقول الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله. فيعيد عليه المعلم، ويقول له: لا تقل: والحمد لله إنما قل: الحمد لله فيقول الصبي: إذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم، أقول: والحمد لله، للاتصال، وإذا لم أقل بسم الله، وبدأت قلت:

(1) الصحيح: قاطنين أو قطان (بضم القاف) وهو جمع قاطن، ومعناه المجاور أو المقيم في مكة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت