فهرس الكتاب

الصفحة 110 من 295

صبا أو لداسته الأقدام حتى تذيبه، نعوذ بالله من غلبات العوام، واعتدائها وركوبها جوامح أهوائها.

ليلة النصف من شعبان

وهذه الليلة المباركة، أعني ليلة النصف من شعبان، عند أهل مكة معظمه للأثر الكريم الوارد فيها، يبادرون فيها إلى أعمال البر من العمرة والطواف والصلاة أفرادا وجماعة، فينقسمون في ذلك أقساما مباركة، فشاهدنا ليلة السبت، التي هي ليلة النصف حقيقة، احتفالا عظيما في الحرم المقدس إثر صلاة العتمة، جعل الناس يصلون فيها جماعات جماعات، تراويح يقرأون فيها فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، عشر مرات في كل ركعة، إلى أن يكملوا خمسين تسليمة بمئة ركعة، قد قدمت كل جماعة إماما، وبسطت الحصر وأوقدت الشمع وأشعلت المشاعل وأسرجت المصابيح، ومصباح السماء الأزهر الأقمر قد أفاض نوره على الأرض وبسط شعاعه. فتلاقت الأنوار في ذلك الحرم الشريف الذي هو نور بذاته، فيا لك مرأى لا يتخيله المتخيل ولا يتوهمه المتوهم! فأقام الناس تلك الليلة على أقسام: فطائفة التزمت تلك التراويح مع الجماعة وكانت سبع جماعات أو ثمانيا، وطائفة التزمت الحجر المبارك للصلاة على انفراد، وطائفة خرجت للاعتمار وطائفة آثرت الطواف على هذا كله، أغلبها المالكية، فكانت من الليالي الشهيرة المأمولة أن تكون من غرر القربات ومحاسنها، نفع الله به ولا أخلى من بركتها وفضلها، وأوصل هذه المثابة المقدسة كل شيق إليها بمنه.

وفي تلك الليلة المباركة شاهد أحمد بن حسان منا أمرا عجيبا، هو من غرائب الأحاديث المأثورات في رقة النفوس. وذلك أنه أصابه النوم عند الثلث الباقي من الليل، فأوى إلى المصطبة التي تحف بها قبة زمزم مما يقابل الحجر الأسود وباب البيت، فاستلقى فيها لينام فإذا بإنسان من العجم قد جلس على المصطبة بإزائه مما يلي رأسه. فجعل يقرأ بتشويق وترقيق، ويتبع ذلك بزفير وشهيق، أحسن قراءة وأوقعها في النفوس وأشدها تحريكا للساكن، فامتنع المذكور من المنام استمتاعا بحسن ذلك المسموع وما فيه من التشويق والتخشيع، إلى أن قطع القراءة وجعل يقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت