فهرس الكتاب
المكرم، فسمعنا دبادب الأمير مكثر وأصوات نساء مكة يولولن عليه. فبينا نحن كذلك دخل منصرفا من لقاء الأمير سيف الإسلام المذكور وطائفا بالبيت المكرم طواف التسليم، والناس قد أظهروا الاستبشار لقدومه، والسرور بسلامته، وقد شاع الخبر بنزول سيف الإسلام الزاهر، وضرب أبنيته فيه، ومقدمته من العسكر قد وصلت الحرم، وزاحمت الأمير مكثرا في الطواف.
فبينا الناس ينظرون إليهم اذ سمعوا ضوضاء عظيمة وزعقات هائلة، فما راعهم إلا الأمير سيف الإسلام داخلا من باب بني شيبة ولمعان السيوف أمامه يكاد يحول بين الأبصار وبينه، والقاضي عن يمينه وزعيم الشيبيين عن يساره، والمسجد قد ارتج وغص بالنظارة والوافدين، والأصوات بالدعاء له ولأخيه صلاح الدين قد علت من الناس حتى صكت الأسماع وأذهلت الأذهان. والزمزميّ المؤذن في مرقبته رافعا عقيرته بالدعاء له والثناء عليه. وأصوات الناس تعلو على صوته، والهول قد عظم مرأى ومستمعا. فلحين دنو الأمير من البيت المعظم أغمدت السيوف، وتضاءلت النفوس، وخلعت ملابس العزة، وذلت الأعناق وخضعت الرقاب، وطاشت الألباب مهابة وتعظيما لبيت ملك الملوك العزيز الجبار الواحد القهار، مؤتي الملك من يشاء، ونازع الملك ممن يشاء، سبحانه، جلت قدرته وعزّ سلطانه.
ثم تهافتت هذه العصابة الغزية على بيت الله العتيق تهافت الفراش على المصباح، وقد نكس أذقانهم الخضوع، وبلت سبالهم الدموع. وطاف القاضي أو زعيم الشيبيين بسيف الإسلام، والأمير مكثر قد غمره ذلك الزحام، فأسرع في الفراغ من الطواف وبادر منزله.
وعندما أكمل سيف الإسلام طوافه، صلى خلف المقام ثم دخل قبة زمزم فشرب من مائها، ثم خرج على باب الصفا إلى السعي، فابتدأه ماشيا على قدميه، تواضعا وتذللا لمن يجب التواضع له، والسيوف مسلولة أمامه، وقد اصطف الناس من أول المسعى إلى آخره سماطين مثل ما صنعوا أيضا في الطواف، فسعى على قدميه طريقين من الصفا إلى المروة، ومنها إلى الصفا، وهرول بين الميلين الأخضرين، ثم قيده الإعياء فركب وأكمل السعي راكبا، وقد حشر الناس ضحى.