فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 295

ثم برز من محرابه رافلا في أفخر ثيابه بهيبة إمامية وسكينة غلامية، مكحل العينين، مخضوب الكفين إلى الزندين، فلم يستطع الخلوص إلى منبره من كثرة الزحام، فأخذه أحد سدنة تلك الناحية في ذراعه حتى ألقاه على ذروة منبره، فاستوى مبتسما وأشار على الحاضرين مسلما. وقعد بين يديه قراء، فابتدروا القراءة على لسان واحد. فلما أكملوا عشرا من القرآن، قام الخطيب فصدع بخطبة تحرك لها أكثر النفوس من جهة الترجيع لا من جهة التذكير والتخشيع، وبين يديه في درجات المنبر نفر يمكسون أتوار الشمع في أيديهم ويرفعون أصواتهم ب «يا رب، يا رب» ، عند كل فصل من فصول الخطبة يكررون ذلك. والقراء يبتدرون القراءة في أثناء ذلك، فيسكت الخطيب إلى أن يفرغوا ثم يعود لخطبته. وتمادى فيها متصرفا في فنون من التذكير.

وفي أثنائها اعترضه ذكر البيت العتيق، كرمه الله، فحسر عن ذراعيه مشيرا إليه، وأردفه بذكر زمزم والمقام فأشار إليهما بكلتا إصبعيه، ثم ختمها بتوديع الشهر المبارك وترديد السلام عليه. ثم دعا للخليفة ولكل من جرت العادة بالدعاء له من الأمراء، ثم نزل. وانفض ذلك الجمع العظيم، وقد استظرف ذلك الخطيب واستنبل، وإن لم تبلغ الموعظة من النفوس ما أمل، والتذكرة إذا خرجت من اللسان لم تتعد مسافة الآذان. ثم ذكر أن المعينين من ذلك الجمع، كالقاضي وسواه، خصوا بطعام حفيل وحلوى على عادتهم في مثل هذا المجتمع. وكانت لأبي الخطيب في تلك الليلة، نفقة واسعة في جميع ما ذكر.

ثم كانت ليلة خمس وعشرين، فكان المختتم فيها الإمام الحنفي، وقد أعد ابنا لذلك سنه نحو من سن الخطيب الأول المذكور. فكان احتفال الإمام الحنفي لابنه في هذه الليلة عظيما، أحضر فيها من ثريات الشمع أربعا مختلفات الصنعة: منها مشجرة مغصنة مثمرة بأنواع الفواكه الرطبة واليابسة، ومنها غير مغصنة. فصففت أمام حطيمه، وتوّج الحطيم بخشب وألواح وضعت أعلاه وجلل كله سرجا ومشاعيل وشمعا، فاستنار الحطيم كله حتى لاح في الهواء كالتاج العظيم من النور. وأحضر الشمع في أتوار الصفر (1) ، ووضع المحراب العودي المشرجب، فجلل دائره الأعلى كله

(1) الصفر (بكسر الصاد) : النحاس. والأتوار: الأواني الصغيرة التي توضع فيها الشموع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت