فهرس الكتاب
المقام، ومن يأتم به. فأول من بكر الشيبيون، وفتحوا باب الكعبة المقدسة، وأقام زعيمهم جالسا في العتبة المقدسة، وسائر الشيبيين داخل الكعبة إلى أن أحسوا بوصول الأمير مكثر فنزلوا إليه، وتلقوه بمقربة من باب النبي، صلى الله عليه وسلم، فانتهى إلى البيت المكرم، وطاف حوله أسبوعا (1) ، والناس قد احتفلوا لعيدهم، والحرم قد غص بهم، والمؤذن الزمزمي فوق سطح القبة على العادة رافعا صوته بالثناء عليه والدعاء له، متناوبا في ذلك مع أخيه. فلما أكمل الأمير الأسبوع، عمد إلى مصطبة قبة زمزم، مما يقابل الركن الأسود، فقعد بها، وبنوه يمينه ويساره، ووزيره وحاشيته وقوف على رأسه. وعاد الشيبيون لمكانهم من البيت المكرم يلحظهم الناس بأبصار خاشعة للبيت غابطة لمحلهم منه ومكانهم من حجابته وسدانته، فسبحان من خصهم بالشرف في خدمته. وحضر الأمير من خاصته شعراء أربعة، فأنشدوه واحدا اثر واحد إلى أن فرغوا من إنشادهم.
وفي أثناء ذلك تمكن وقت الصلاة، وكان ضحى من النهار، فأقبل القاضي الخطيب يتهادى بين رايتيه السوداوين، والفرقعة المتقدمة ذكرها أمامه، وقد صك الحرم صوتها. وهو لابس ثياب سواده، فجاء المقام الكريم، وقام الناس للصلاة، فلما قضوها رقي المنبر، وقد ألصق موضعه المعين له كل جمعة، من جدار الكعبة المكرمة، حيث الباب الكريم شارعا، فخطب خطبة بليغة، والمؤذنون قعود دونه في أدراج المنبر، فعند افتتاحه فصول الخطبة بالتكبير يكبرون بتكبيره، إلى أن فرغ من خطبته.
وأقبل الناس بعضهم على بعض بالمصافحة والتسليم والتغافر والدعاء، مسرورين جذلين فرحين بما آتاهم الله من فضله. وبادروا إلى البيت الكريم فدخلوا بسلام آمنين، مزدحمين عليه فوجا فوجا. فكان مشهدا عظيما وجمعا، بفضل الله تعالى، مرحوما، جعله الله ذخيرة للمعاد، كما جعل ذلك العيد الشريف في العمر أفضل الأعياد، بمنه وكرمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وأخذ الناس عند انتشارهم من مصلاهم وقضاء سنة السلام بعضهم على بعض في زيارة الجبانة بالمعلى، تبركا باحتساب الخطا إليها، والدعاء بالرحمة لمن فيها من عباد الله الصالحين من الصدر
(1) أسبوعا: أي سبع مرات.