فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 295

وهذا النهر كاسمه فرات، هو من أعذب المياه وأخفها، وهو نهر كبير زخار، تصعد فيه السفن وتنحدر.

والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها، في بسائط من الأرض وعمائر، تتصل بها القرى يمينا وشمالا. ويشق هذه البسائط أغصان من ماء الفرات تتسرب بها وتسقيها، فمحرثها لاحد لاتساعه وانفساحه. فللعين في هذا الطريق مسرح انشراح، وللنفس مراح انبساط وانفساح، والأمن فيها متصل، بحمد الله سبحانه وتعالى.

شهر صفر سنة ثمانين

عرفنا الله يمنه وبركته

هلاله على الكمال من ليلة الاثنين، بموافقة الرابع عشر من مايه، استهل هلاله ونحن على شط الفرات بظاهر مدينة الحلة. وفي ضحوة يوم الاثنين المذكور رحلنا وأجزنا جسرا على نهر يسمى النيل، وهو فرع متشعب من الفرات، وكان عليه ازدحام، فغرق كثير من الناس والدواب في الماء. فتنحينا مريحين إلى أن انفرج ذلك المزدحم، وعبرنا على سلامة وعافية، والحمد لله.

ومن مدينة الحلة يتسلسل الحاج أرسالا وأفواجا أفواجا: فمنهم المتقدم، والمتوسط، والمتأخر، لا يعرج المستعجل على المتعذر، ولا المتقدم على المتأخر، فحيثما شاؤوا من طريقهم نزلوا وأراحوا واستراحوا، وسكنت نفوسهم من روعة نقر الكوس الذي كانت الافئدة ترجف له بدارا للرحيل واستعجالا للقيام، فربما كان النائم منهم يهذي بنقر الكوس فيقوم عجلا وجلا ثم يتحقق أنها من أضغاث أحلامه فيعود إلى منامه.

ومن جملة الدواعي لافتراقهم كثرة القناطير المعترضة في طريقهم إلى بغداد، فلا تكاد تمشي ميلا إلا وتجد قنطرة على نهر متفرع من الفرات، فتلك الطريق أكثر الطرق سواقي وقناطير، وعلى أكثرها خيام فيها رجال محترسون للطريق، اعتناء من الخليفة بسبيل الحاج، دون اعتراض منهم لاستنفاع بكدية أو سواها. فلو زاحم ذلك البشر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت