فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 295

فالموفق فيهم لا يزال في مجلس ذكر أيامه كلها، لهم في ذلك طريقة مباركة ملتزمة.

مجالس العلماء

فأول من شاهدنا مجلسه منهم الشيخ الإمام رضي الدين القزويني رئيس الشافعية، وفقيه المدرسة النظامية، والمشار إليه بالتقديم في العلوم الأصولية. حضرنا مجلسه بالمدرسة المذكورة إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الخامس لصفر المذكور، فصعد المنبر، وأخذ القرّاء أمامه في القراءة على كراسي موضوعة، فتوّقوا وشوّقوا، وأتوا بتلاحين معجبة، ونغمات محرجة مطربة. ثم اندفع الشيخ الإمام المذكور فخطب خطبة سكون ووقار وتصرف في أفانين من العلوم، من تفسير كتاب الله عز وجل، وإيراد حديث رسوله، صلى الله عليه وسلم، والتكلم على معانيه. ثم رشقته شآبيب المسائل من كل جانب، فأجاب، وما قصر، وتقدم وما تأخر، ودفعت إليه عدة رقاع منها، فجمعها جملة في يده، وجعل يجاوب على كل واحدة منها، وينبذ بها إلى أن فرغ منها. وحان المساء فنزل وافترق الجمع. فكان مجلسه مجلس علم ووعظ، وقورا هينا لينا، ظهرت فيه البركة والسكينة ولم تقصر عن إرسال عبرتها فيه النفس المستكينة، ولا سيما آخر مجلسه، فإنه سرت حميا وعظه إلى النفوس حتى أطارتها خشوعا، وفجرتها دموعا. وبادر التائبون إليه سقوطا على يده ووقوعا، فكم ناصية جز، وكم مفصل من مفاصل التائبين طبق بالموعظة وحز. فبمثل مقام هذا الشيخ المبارك ترحم العصاة، وتتغمد الجناة، وتستدام العصمة والنجاة، والله يجازي كل ذي مقام عن مقامه، ويتغمد ببركة العلماء الأولياء عباده العاصين من سخطه وانتقامه برحمته وكرمه، إنه المنعم الكريم، لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه.

وشهدنا له فيها مجلسا ثانيا إثر صلاة العصر من يوم الجمعة الثاني عشر من الشهر المذكور. وحضر ذلك اليوم مجلسه سيد العلماء الخراسانية، ورئيس الأئمة الشافعية، ودخل المدرسة النظامية بهزّ عظيم وتطريف آماق، تشوقت له النفوس. فأخذ الإمام المتقدم الذكر في وعظه مسرورا بحضوره، ومتجملا به، فأتى بأفانين من العلوم، على حسب مجلسه المتقدم الذكر. ورئيس العلماء المذكور هو صدر الدين الخجندي المتقدم الذكر في هذا التقييد، المشتهر المآثر والمكارم، المقدم بين الأكابر والأعاظم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت