فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 295

الشمس لا تخفى وإن سترت، وذلك عشية يوم السبت السادس لصفر سنة ثمانين. وأبصرناه أيضا عشي يوم الأحد بعده متطلعا من منظرته المذكورة بالشط الغربي، وكنا نسكن بمقربة منها.

والشرقية حفيلة الأسواق عظيمة الترتيب، تشتمل من الخلق على بشر لا يحصيهم إلا الله تعالى الذي أحصى كل شيء عددا. وبها من الجوامع ثلاثة، كل يجمّع فيها: جامع الخليفة متصل بداره، وهو جامع كبير، وفيه سقايات عظيمة ومرافق كثيرة كاملة، مرافق الوضوء والطهور؛ وجامع السلطان، وهو خارج البلد، ويتصل به قصور تنسب للسلطان أيضا المعروف بشاه شاه، وكان مدبّر أمر أجداد هذا الخليفة، وكان يسكن هنالك، فابتنى الجامع أمام مسكنه؛ وجامع الرصافة، وهو على الجانب الشرقي المذكور، وبينه وبين جامع هذا السلطان المذكور مسافة نحو الميل. والرصافة تربة الخلفاء العباسيين، رحمهم الله. فجميع جوامع البلد ببغداد، المجمّع فيها، أحد عشر.

وأما حماماتها فلا تحصى عدة، ذكر لنا أحد أشياخ البلد أنها بين الشرقية والغربية نحو الألفي حمام، وأكثرها مطلية بالقار مسطحة به، فيخيل للناظر أنه رخام أسود صقيل. وحمامات هذه الجهات أكثرها على هذه الصفة لكثرة القار عندهم، لأن شأنه عجيب، يجلب من عين بين البصرة والكوفة، وقد أنبط الله ماء هذه العين ليتولد منه القار، فهو يصير في جوانبها كالصلصال، فيجرف ويجلب وقد انعقد، فسبحان خالق ما يشاء لا إله سواه. وأما المساجد بالشرقية والغربية فلا يأخذها التقدير فضلا عن الإحصاء. والمدارس بها نحو الثلاثين، وهي كلها بالشرقية، وما منها مدرسة إلا وهي يقصر القصر البديع عنها وأعظمها وأشهرها النظامية وهي التي ابتناها نظام الملك، وجددت سنة أربع وخمس مئة. ولهذه المدارس أوقاف عظيمة وعقارات محبسة تتصير إلى الفقهاء المدرسين بها، ويجرون بها على الطلبة ما يقوم بهم، ولهذه البلاد في أمر هذه المدارس والمارستانات شرف عظيم وفخر مخلد، فرحم الله واضعها الأول ورحم من تبع ذلك السنن الصالح.

وللشرقية أربعة أبواب: فأولها، وهو في أعلى الشط، باب السلطان، ثم باب الظفرية، ثم يليه باب الحلبة، ثم باب البصلية. هذه الأبواب التي هي في السور المحيط

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت