فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 295

شهر ربيع الأول من سنة ثمانين

عرفنا الله بركته

استهل هلاله ليلة الثلاثاء، بموافقة الثاني عشر من يونيه، ونحن بالقرية المذكورة، فرحلنا منها سحر يوم الثلاثاء المذكور ووصلنا نصيبين قبل الظهر من اليوم المذكور.

ذكر مدينة نصيبين حرسها الله

شهيرة العتاقة والقدم، ظاهرها شباب، وباطنها هرم، جميلة المنظر، متوسطة بين الكبر والصغر، يمتد أمامها وخلفها بسيط أخضر مد البصر، قد أجرى الله فيه مذانب من الماء تسقيه، وتطّرد في نواحيه، وتحف بها عن يمين وشمال بساتين ملتفة الأشجار، يانعة الثمار، ينساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السوار، والحدائق تنتظم بحافتيه، وتفيء ظلالها الوارفة عليه، فرحم الله أبا نواس الحسن بن هانئ حيث يقول:

طابت نصيبين لي يوما فطبت ... لها يا ليت حظي من الدنيا نصيبين (1)

فخارجها رياضي الشمائل، أندلسي الخمائل، يرف غضارة ونضارة، ويتألق عليه رونق الحضارة، وداخلها شعث البادية باد عليه، فلا مطمح للبصر إليه، لا تجد العين فيه فسحة مجال، ولا مسحة جمال. وهذا النهر ينسرب إليها من عين معينة منبعها بجبل قريب منها، تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها ويتخلل البلد منها جزء، فيتفرق على شوارعها ويلج في بعض ديارها، ويصل إلى جامعها المكرم منه سرب يخترق صحنه، وينصب في صهريجين:

أحدهما وسط الصحن، والآخر عند الباب الشرقي منه، ويفضي إلى سقايتين حول الجامع.

وعلى النهر المذكور جسر معقود من صم الحجارة، يتصل بباب المدينة القبلي. وفيها

(1) لم أعثر في الموسوعة الشعرية على هذا البيت، ولكن ابن جبير وابن بطوطة والحميري في الروض المعطار يذكرون أنه لأبي نواس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت