فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 295

البساتين والكروم وأنواع الأشجار، وينسرب بإزائها نهر ترف الظلال عليه، وخطها متسع، والبساتين قد انتظمته، وشاهدنا بها من الخنانيص (1) أمثال الغنم كثرة وأنسا بأهلها. ثم وصلنا عشي النهار إلى قرية أخرى تعرف بالجسر، هي الآن لناس من المعاهدين، وهم فرقة من فرق الروم، فكان مبيتنا بها ليلة السبت الخامس لربيع المذكور، ثم أسحرنا منها ووصلنا مدينة رأس العين قبيل الظهر من يوم السبت المذكور.

ذكر مدينة رأس العين

حرسها الله

هذا الاسم لها من أصدق الصفات، وموضوعها به أشرف الموضوعات، وذلك أن الله تعالى فجر أرضها عيونا وأجراها ماء معينا، فتقسمت مذانب وانسابت جداول تنبسط في مروج خضر، فكأنها سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد، تحف بها أشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها إلى آخر انتهائها من عمارة بطحائها. وأعظم هذه العيون عينان: إحداهما فوق الأخرى، فالعليا منهما نابعة فوق الأرض في صم الحجارة، كأنها في جوف غار كبير متسع يبسط الماء فيه حتى يصير كالصهريج العظيم، ثم يخرج ويسيل نهرا كبيرا كأكبر ما يكون من الأنهار، وينتهي إلى العين الأخرى ويلتقي بمائها. وهذه العين الثانية عجب من عجائب مخلوقات الله عز وجل، وذلك أنها نابعة تحت الأرض من الحجر الصلد بنحو أربع قامات أو أزيد، ويتسع منبعها حتى يصير صهريجا في ذلك العمق، ويعلو بقوة نبعه حتى يسيل على وجه الأرض. فربما يروم السابح القوي السباحة الشديدة الغوص في أعماق المياه أن يصل بغوصه إلى قعره فيمجه الماء بقوة انبعاثا من منبعه، فلا يتناهى في غوصه مقدار نصف مسافة العمق أو أقل شيئا؛ شاهدنا ذلك عيانا. وماؤها أصفى من الزلال وأعذب من السلسبيل، يشف عما حواه، فلو طرح الدينار فيه في الليلة الظلماء لما أخفاه، ويصاد فيها سمك جليل من أطيب ما يكون من السمك.

(1) الخنانيص (جمع خنوص بتشديد النون) : صغار الخنازير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت