فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 295

وعلى مقربة من هذا الغار في الجبل بعينه عمود منقطع من الجبل، قد قام شبه الذراع المرتفعة بمقدار شبه القامة، وانبسط له في أعلاه شبه الكف، خارجا عن الذراع، كأنه القبة المبسوطة، بقدرة الله عز وجل، يستظل تحتها نحو العشرين رجلا، وتسمى قبة جبريل، صلى الله عليه وسلم.

ومما يجب أن يثبت ويؤثر، لبركة معاينته وفضل مشاهدته: أن في يوم الجمعة التاسع عشر من جمادى الأولى، وهو التاسع من شتنبر (1) ، أنشأ الله بحرية (2) فتشاءمت (3) فانهلت عينا غديقة، كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وذلك أثر صلاة العصر ومع العشي من اليوم المذكور، فجاءت بمطر جود. وتبادر الناس إلى الحجر فوقفوا تحت الميزاب المبارك متجردين عن ثيابهم، يتلقون الماء الذي يصبه الميزاب برؤوسهم وأيديهم وأفواههم مزدحمين عليه ازدحاما عظيما، أحدث ضوضاء عظيمة، كل يحرص على أن ينال جسمه من رحمة الله نصيبا، ودعاؤهم قد علا، ودموع أهل الخشوع منهم تسيل، فلا تسمع إلا ضجيج دعاء، أو نشيج بكاء. والنساء قد وقفن خارج الحجر ينظرن بعيون دوامع، وقلوب خواشع، يتمنين ذلك الموقف لو ظفرن به. وكان بعض الحجاج المتأجرين المشفقين يبل ثوبه بذلك الماء المبارك ويخرج إليهن ويعصره في أيدي البعض منهن، فيتلقينه شربا ومسحا على الوجوه والأبدان.

وتمادت تلك السحابة المباركة إلى قريب المغرب، وتمادى الناس على تلك الحال من الازدحام على تلقي ماء الميزاب بالأيدي والوجوه والأفواه، وربما رفعوا الأواني ليقع فيها. فكانت عشية عظيمة استشعرت النفوس فيها الفوز بالرحمة ثقة بفضله وكرمه لما اقترن بها من القرائن المباركة، فمنها: أنها كانت عشية الجمعة وفضل اليوم فضله، والدعاء فيها يرجى من الله تعالى قبوله، لما ورد فيها من الأثر الصحيح، وأبواب السماء تفتح عند نزول المطر. وقد وقف الناس تحت الميزاب، وهو من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، وطهرت أبدانهم رحمة الله النازلة من سمائه إلى سطح بيته العتيق الذي هو

(1) شتنبر: سبتمبر، أيلول.

(2) البحرية: السحابة، ولعله يقصد القادمة من البحر، أي من جهة الغرب.

(3) تشأّمت وتشاءمت: مالت إلى الشمال، أي جهة الشام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت