فهرس الكتاب

الصفحة 92 من 295

ولو لم يكن لها من المتاجر إلا أوان الموسم، ففيه مجتمع أهل المشرق والمغرب، فيباع فيها في يوم واحد ـ فضلا عما يتبعه من الذخائر النفيسة كالجواهر والياقوت وسائر الأحجار، ومن أنواع الطيب كالمسك والكافور والعنبر والعود، والعقاقير الهندية، إلى غير ذلك من جلب الهند والحبشة، إلى الأمتعة العراقية واليمانية، إلى غير ذلك من السلع الخراسانية، والبضائع المغربية، إلى ما لا ينحصر ولا ينضبط ـ ما لو فرق على البلاد كلها، لأقام لها الأسواق النافقة، ولعم جميعها بالمنفعة التجارية. كل ذلك في ثمانية أيام بعد الموسم، حاشا ما يطرأ بها مع طول الأيام من اليمن وسواها، فما على الأرض سلعة من السلع ولا ذخيرة إلا وهي موجودة فيها مدة الموسم. فهذه بركة لا خفاء بها، وآياتها التي خصها الله بها.

وأما الأرزاق والفواكه وسائر الطيبات، فكنا نظن أن الأندلس اختصت من ذلك بحظ له المزية على سائر حظوظ البلاد، حتى حللنا بهذه البلاد المباركة، فألفيناها تغص بالنعم والفواكه كالتين والعنب والرمان والسفرجل والخوخ والأترج والجوز والمقل (1) والبطيخ والقثاء والخيار، إلى جميع البقول كالباذنجان واليقطين والسلجم والجزر والكرنب إلى سائرها، إلى غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة. وأكثر هذه البقول، كالباذنجان والقثاء والبطيخ، لا يكاد ينقطع مع طول العام. وذلك من عجيب ما شاهدناه مما يطول تعداده وذكره. ولكل نوع من هذه الأنواع فضيلة موجودة في حاسة الذوق، يفضل بها نوعها الموجود في سائر البلاد. فالعجب من ذلك يطول.

ومن أعجب ما اختبرناه من فواكهها البطيخ والسفر جل، وكل فواكهها عجب، لكن للبطيخ فيها خاصة من الفضل عجيبة، وذلك لأن رائحته من أعطر الروائح وأطيبها. يدخل به الداخل عليك فتجد رائحته العبقة قد سبقت إليك، فيكاد يشغلك الاستمتاع بطيب رياه عن أكلك إياه، حتى إذا ذقته خيل إليك أنه شيب بسكر مذاب أو بجنى النحل اللباب. ولعل متصفح هذه الأحرف يظن أن في الوصف بعض غلو، كلا لعمر الله! إنه لأكثر مما وصفت وفوق ما قلت، وبها عسل أطيب من الماذي

(1) المقل (بضم الميم وسكون القاف) : ثمر الدوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت