فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 573

المكيون يضيفون إلى هذه الصفات الحميدة صفة أخرى، لا بد من ذكرها لهم؛ المكيون جنس أو عرق متباه، على الرغم من أن تباهيهم لا يقوم على قيم داخلية، وهذا التباهى مفضل على العبودية الصارخة التى تتجلى في سكان الشرق الآخرين، الذين يسترجعون إذعانهم العبودى لمن هم أعلى منهم، عن طريق التعالى والتكبر على من هم أقل منهم. المكيون يتباهون بأنهم مواطنى المدينة المقدسة، وأنهم أبناء بلد النبى صلى الله عليه وسلم، وأنهم حافظوا، إلى حد ما، على أخلاقه وسلوكياته، وأنهم يتكلمون لغته الصافية، وهم يتفاخرون بأنهم سينعمون بكل المباهج في الحياة الآخرة التى وعد كل أولئك الذين يعيشون بالقرب من الكعبة (المشرفة) ، ويتباهون أيضا بأنهم أكثر حرية من أولئك الأجانب الذين يجيئون أفواجا إلى المدينة المنورة. والمكيون يكشفون عن ذلك التباهى أمام كبارهم، الذين لقنوهم أن يتعاملوا معهم بسماحة وحذر وصبر، يضاف إلى ذلك أن المكيين ينظرون إلى الشعوب الإسلامية كلها على أنها أقل منهم، وأن إشفاقهم على هذه الشعوب وتأدبهم معها إنما يرجع إلى انخفاض مستوى هذه الشعوب. هذا التباهى والفخر قد يتمخضا عن نتائج كثيرة لا يمكن لأية أمة بدونها، أن تحتفظ لنفسها بمكانة بين الأمم. هذا التباهى والفخر هو الذى منع شعب (أهل) مكة من الوقوع في إسار العبودية مثلما حدث لبعض جيرانهم، هذا الفخر والتباهى لا يستحثهم على فعل أشياء جديرة بالثناء، في حين تظهر آثار هذا التباهى في احتقارهم للأجانب. هذا الاحتقار، كما سبق أن أوضحت في الحديث عن جدة، يتجلى بصفة أساسية تجاه الأتراك، وفى جهلهم باللغة العربية، وفى لباسهم وسلوكياتهم ووقاحة تصرفاتهم ووضاعتها عند ما يعجزون عن الحديث كسادة، هذا الاحتقار للأتراك يتجلى أيضا في الجبن الذين يكونون عليه عند ما يجرى الهجوم على قافلة الحج وهى في طريقها عبر الصحراء، كما يتجلى ذلك الاحتقار أيضا في قلة الاحترام من جانب حكام مكة للأتراك في ظل تعاظم قوة الشريف وعدم انكسارها، الأمر الذى كان يسفر عن التقليل من قدر هؤلاء الأتراك في نظر العرب، إلى حد أن الناس في الحجاز كانوا ينظرون إليهم على أنهم أفضل من غير المسلمين ولكن بقدر ضئيل جدا، وعلى الرغم من أن كثيرا من المكيين هم من أصل تركى، فإنهم ينضمون إلى أبناء جلدتهم في الحط

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت