فهرس الكتاب
هذا الماء يرد من عيون عدة في قرية قباء، وعلى الرغم من أن طعمه غير مستساغ من النوع السيئ. هذا الماء إذا ما ترك مدة نصف ساعة في إناء، فإنه يغطى جوانب الإناء بقشرة نترية (*) بيضاء اللون، ومن هنا فإن الأجانب الذين لم يعتادوا على ذلك الماء منذ مطلع سنوات الشباب، يعانون ويشتكون من سوء الهضم والتلبك المعوى الذى ينتابهم جراء الشرب من ذلك الماء. هذا الماء فاتر نظرا لأن مصدره هو قرية قباء، ولذلك يحتفظ بحرارته حتى عند ما يصل إلى المدينة المنورة. هناك أيضا كثير من الآبار المبعثرة في سائر أنحاء المدينة المنورة، كل بستان فيه بئر من هذه الآبار، وتستخدم مياه هذه البئر في رى البستان نفسه، ومن يحفر الأرض إلى مسافة خمسة وعشرين قدما أو ثلاثين قدما يعثر على الماء بكميات وفيرة. بعض الآبار ماؤها حلو سائغ للشاربين، والبعض الآخر ماؤه مالح. وخصوبة الحقول والبساتين تتناسب مع نوعية مياه البئر في أى مكان من الأماكن.
وفضلا عن مياه الآبار والمجرى المائى، نجد أن المدينة المنورة تستقبل، في فصل الشتاء كمية كبيرة من ماء السيل الذى يطلقون عليه اسم سيل المدينة (المنورة) ، أو إن شئت فقل سيل بطمان الذى يأتى من الجنوب إلى الشمال مارا عبر ضواحى المدينة المنورة وينتهى في واد حجرى في الناحية الشمالية الغربية. (**) وليلة واحدة من المطر كفيلة بملء مجرى ذلك السيل، على الرغم من تناقص مقدار ذلك الماء تناقصا سريعا. هذا الجزء من الضاحية الذى يطلق عليه اسم العميرية، عثرت فيه على جسر على شكل عقد من العقود يربط بين ضفتى الوادى، ويصل عرض ذلك الجسر إلى ما يقرب من أربعين قدما. المناطق المجاورة لذلك الوادى عامرة بالسيول المماثلة للسيل سالف الذكر، وهذه السيول تملأ كثيرا من البرك والأراضى المنخفضة، التى تبقى المياه فيها إلى دخول شهور الصيف، هذه السيول، هى والآبار، تساهم في توفير الماء في الأجزاء المحيطة بالمدينة المنورة، وبذلك تتفوق المدينة (المنورة) من حيث وفرة المياه،
(*) بمعنى محتو على النيتروجين ثلاثى التكافؤ. (المترجم)
(**) السيول المجاورة كلها تنتهى في الأرض المنخفضة الموجودة في الجبال الغربية، التى يطلقون عليها اسم الغابة، وقد يسمونها أيضا الزغابة. راجع السمهودى.