فهرس الكتاب

الصفحة 464 من 573

الأشخاص المجدون هنا في المدينة المنورة هم أولئك الحجاج المعدمون، وبخاصة السوريون منهم، الذين يكثر وجودهم هنا في مدينة الرسول، والذين يحاولون عن طريق العمل الدءوب، طوال أشهر قلائل، جمع مبلغ من المال يفى بنفقات عودتهم إلى بلادهم. هؤلاء الحجاج المعدمين يعملون فترات متقطعة فقط، وإذا ما غادروا المدينة المنورة أو رحلوا عنها، خلت من الحرفيين فترة طويلة من الزمن. أثناء مقامى في المدينة المنورة، لم يكن فيها سوى رجل واحد هو الذى كان يناقش المشكلات العائلية؛ وعند ما ترك ذلك الرجل المدينة المنورة، على حد تعبير نساء الجزيرة العربية، تعين على الحجاج الأجانب مناقشة مشاكلهم بأنفسهم. ومع مثل هذه الظروف يتعذر على الرجال العثور على أبسط سبل الراحة، بل إن النقود نفسها لا يمكن لها هنا أن تلبى احتياجات الإنسان. ومع ذلك، هنا طائفة من الرجال سبقت الإشارة إليها وأنا أتناول مكة بالوصف، هؤلاء الرجال على استعداد لتقديم الخدمات للآخرين. هؤلاء الرجال هم الحجاج الذين يأتون من إفريقيا؛ إنهم قلة قليلة من الزنوج، أو أن شئت فقل التكارنة على حد تسمية الناس لهم، والذين يأتون إلى مكة، دون أن يزوروا المدينة المنورة التى هى في نظرهم أكثر وقارا وتقديرا عن مكة المكرمة. المذهب المالكى الذى يعتنقه هؤلاء الزنوج، يضع احترام (سيدنا) محمد صلى الله عليه وسلم في منزلة أسمى من المنزلة التى تضعه فيها المذاهب الثلاثة الأخرى، هؤلاء الزنوج يقتربون من قبر محمد صلى الله عليه وسلم بضمائر مرتاعة وخائفة، وبمشاعر تختلف عن المشاعر التى تعتريهم عند ما يزورون الكعبة، وهم مقتنعون تماما، أن الدعاء الذى يرددونه أمام شباك الحجرة لا بد أن يستجاب إن آجلا أم عاجلا. سألنى أحد هؤلاء الزنوج ذات مرة، بعد حوار قصير دار بينى وبينه، عما إذا كنت أعرف ذلك الدعاء الذى إذا ما دعا به المسلم، رأى محمدا صلى الله عليه وسلم في المنام، لأنه كان يود أن يسأله سؤالا واحدا، وعند ما أعربت له عن جهلى بهذا الموضوع قال لى: إن النبى صلى الله عليه وسلم ظهر لعدد كبير من أهل بلده. هؤلاء الزنوج هم الذين يزودون المدينة المنورة بالحطب الذى يجمعونه من الجبال المجاورة للمدينة، ويبيعونه بمبالغ لا بأس بها، وإذا ما غاب هؤلاء الزنوج عن المدينة المنورة، أو إذا ما قل عددهم في المدينة، عجز الناس عن الحصول على الحطب حتى إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت