فهرس الكتاب

الصفحة 468 من 573

اللاتى يقمن هنا باعتبارهن زوجات؛ زوجات الزراع، وزوجات سكان الضواحى، يخدمن العائلات الحضرية، من باب أنهن خادمات في المنازل، يعملن بصورة أساسية في طحن القمح في الطواحين اليدوية، أو إن شئت فقل: الرحى. نساء المدينة المنورة، يتصرفن بأدب جم، ويتمتعن بسمعة الفضيلة الطيبة أكثر من نساء مكة وجدة.

العائلات صاحبة البساتين والحدائق تبالغ مبالغة كبيرة في احتفائها بأصدقائها، مرارا في منازلها الريفية، التى يجتمع فيها أعضاء العائلات المدعوة كلها رجالا ونساء، ويقال إن هذه العادة تنتشر على نطاق واسع في فصل الربيع، ويقال أيضا: إن أهل المدينة المنورة يتبارون في ذلك مع بعضهم البعض، الأمر الذى وصل إلى حد التقول: بأن فلانا وعلانا أكثر أو قلل من جيرانه في حفلات الاستقبال التى أقامها خلال الموسم. قلة قليلة من العائلات هى التى تمضى العام كله في بساتينها أو حدائقها؛ ومن بين هؤلاء أسرة رجل صالح، كانت تقيم في بستان جميل يقع في الجزء الجنوبى من المدينة المنورة. هذا الرجل الصالح شهير جدا بنقائه وطهارته، إلى حد أن طوسون باشا قبّل يديه في مرة من المرات. زرت هذا الرجل الصالح، شأنى في ذلك شأن الزوار الكثيرين الآخرين، وقد حدثت تلك الزيارة في الأيام الأولى عقب وصولى إلى المدينة المنورة، ووجدت الرجل جالسا في محراب مجاور للمنزل لا يتحرك منه مطلقا. كان الرجل أكثر أدبا من أى قديس من القديسين الذين شاهدتهم أو التقيتهم في حياتى، ولم يكن الرجل ميالا إلى الكلام في شئون الدنيا. بلغنى أن هذا الرجل كان بحوزته بعض الكتب التاريخية وأنه كان على استعداد لبيعها، لكنى عند ما تحريت الأمر، عرفت منه أنه لم يشغل نفسه إلا بالشريعة، والقرآن، واللغة العربية. قدم الرجل لى نرجيلة كى أدخن، كما قدم لى أيضا طبقا من التمر، الذى يأتيه من بستانه، وبعد أن وضعت، عند ما هممت بالانصراف، دولارا تحت السجادة التى كنت أجلس عليها (فقد قيل لى إن هذا أمر عادى في مثل هذه الظروف) ، صحبنى الرجل إلى باب البستان، ورجانى أن أزوره مرة ثانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت