فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 573

فى الشارع التقيت ببعضهم، وحصلت منهم على معلومات كاملة عن المخاوف التى كانت تراودنى. كان وباء الطاعون قد بدأ ينتشر منذ حوالى عشرة أيام، وكان في الوقت نفسه على أشده في القاهرة، وقد استثار ذلك موجة من الغضب العارم بين الناس طوال أشهر عدة؛ في السويس على سبيل المثال، مات عدد كبير من السكان؛ من ميناء السويس أبحرت باخرتان محملتان بالمصنوعات القطنية، ومعهما فيروس الطاعون الذى انتقل عن طريقهما إلى جدة، لينتقل من جدة إلى ينبع. لم يشهد الحجاز قبل ذلك أية حالة من حالات الطاعون، كما أن ذاكرة البشر لا تعى حتى ولو حالة واحدة من حالات الطاعون، يزاد على ذلك أن المواطنين لم يقتنعوا بإمكانية حدوث ذلك حتى ولو مرة واحدة، وبخاصة عند ما أعاد الوهابيون غزو المدينتين المقدستين مرة ثانية. لم يحدث أن كان الاتصال مع مصر في أى وقت من الأوقات أفضل مما هو عليه حاليا، ومن ثم لم تكن مسألة انتقال ذلك الوباء إلى الحجاز من قبيل المفاجآت. في الوقت الذى كانت تموت فيه حوالى خمس عشرة نفس يوميا، لم يصدق أهل المدينة ينبع أن المرض كان هو وباء الطاعون، وذلك على الرغم من ظهور أعراض الصفراء على أجساد الموتى، فضلا أيضا عن سرعة انتشار المرض، الذى يندر أن يزيد على ثلاثة أيام أو أربعة، كل ذلك كان يمكن أن يكون بمثابة أسباب مقنعة بأن ذلك الوباء إنما هو وباء الطاعون. وبعد خمسة أيام أو ستة من وصولى بدأ يتزايد معدل الوفيات، إلى أن أصبح معدل الوفيات اليومى يتردد بين أربعين نفسا وخمسين نفسا يوميا، الأمر الذى يعد معدلا خطيرا وسط عدد من السكان يقدر بما يتراوح بين خمسة آلاف وستة آلاف نسمة. وهنا أصيب سكان ينبع بموجة من الذعر والفزع، قلة قليلة من الناس هم الذين كانوا يميلون إلى الصبر على الخطر مثلما يفعل الأتراك في أى مكان آخر من الشرق، ولذلك نجد أن السواد الأعظم من سكان ينبع هربوا إلى العراء والخلاء، الأمر الذى أدى إلى أن أصبحت ينبع بلدا مهجورا، ومع ذلك طارد المرض الهاربين، الذين كانوا يخيمون بالقرب من بعضهم البعض، الأمر الذى أعجزهم عن إيجاد علاج لذلك الوباء، ولذلك عاد الكثيرون منهم إلى ينبع من جديد، والتمسوا لأنفسهم العذر في هربهم بأن قالوا: «من باب رحمة الله أنه يرسل علينا هذا المرض،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت