فهرس الكتاب

الصفحة 499 من 573

فى ذروة شدة أزمة الطاعون، بأنهما قد ماتا وفارقا الحياة ودفنهما الناس أحياء، وقد كشف واحد منهما عند ما كان الناس يضعونه في القبر عن بعض علامات الحياة، وبالتالى أمكن إنقاذه، أما جثمان الشخص الآخر، الذى رآه الناس عند ما كانوا يفتحون القبر بعد أيام عدة من وفاته، لدفن جثمان أحد أقاربه، فكان غارقا في الدماء في منطقة اليدين والوجه، كما وجد الكفن ممزقا، بفعل المحاولات التى بذلها الميت وهو يحاول الخروج من القبر، وعند ما رأى الناس ذلك قالوا: إن الشيطان شوه جسده بعد أن فشل في إيذاء روحه.

انتبه محافظ ينبع ـ من باب الحرص ـ إلى أهمية عدم نشر الأرقام الحقيقية لعدد الوفيات، لكن الدعاء المهيب: «لا إله إلا الله، «الذى يدل على مرور جنازة أحد المسلمين، كان يتناهى إلى الأسماع من كل مكان ومن كل حى من أحياء بلدة ينبع، وأنا بنفسى أحصيت اثنين وأربعين دعاء من هذا القبيل في يوم واحد فقط.

يتحول الطاعون عند الفقراء إلى مناسبة حقيقية؛ ذلك أن الأسر القادرة تذبح خروفا عند ما يموت أحد أفرادها، كما تذبح أيضا خروفا ثانيا في اليوم التالى للوفاة، ويجرى دعوة كل النساء والرجال إلى منزل الميت في هذين اليومين. تدخل النساء بيت المتوفى ويحتضنّ ويعزين إناث أسرة المتوفى، معرضات أنفسهن من حين لآخر للإصابة بالعدوى. هذه العادة، أكثر من العادات الأخرى، هى المسئولة عن سرعة انتشار الطاعون في السواد الأعظم من البلدان الإسلامية؛ والسبب في ذلك أن الطاعون إذا ما أصاب أو تفشى في عائلة من العائلات، يصعب جدا ألا ينتقل إلى كل المنطقة المجاورة لتلك العائلة.

يشيع بين الأوروبيين بل وبين المسيحيين الشرقيين أيضا اعتقاد مفاده أن دين محمد صلى الله عليه وسلم يمنع اتخاذ الإجراءات الاحتياطية ضد الطاعون، لكن ذلك اعتقاد خاطئ. هذا الدين يحرم على أتباعه تحاشى المرض إذا ما دخل مدينة أو بلدا من البلدان، لكن هذا الدين يحذر أتباعه أيضا من دخول أى مكان ينتشر فيه وباء الطاعون، وتأسيسا على ذلك فإن هذا الدين يمنع الأفراد من عزل أنفسهم في المنازل، كما يمنعهم أيضا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت